فهرس الكتاب
5 -امرأةُ أيُّوب أخطأت في حقِّ زوجها، فَحَلَفَ ليضربنَّها مِائَةَ جَلْدَةٍ، فأمره الله - تعالى - أن يضربَها بِعُثْكُولٍ من عثاكيل النَّخيل، أو بحزمةٍ من العيدان، وذلك ليبرَّ في يمينه ولا يحنث.
6 -جعل الله مخرجًا لزوجة أيُّوب؛ لأنَّها كانت امرأةً صالحةً وصابرةً ومعينةً لزوجها، فأرشد اللهُ أَيُّوبَ إلى مخرجٍ أَنْ يضربها بشماريخ البلح؛ حتَّى لا يُؤْلِمَهَا ولا يحنث لأنَّهما أطاعا الله.
7 -ما المطلوب عند البلاء؟ المطلوب الصَّبْرُ؛ {فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو العَزْمِ} .
هل المطلوب الصَّبر أم التَّداوي؟
قال ابنُ عثيمين: «اختلف العلماءُ؛ منهم من قال ترك التَّداوي أفضلُ؛ لأنَّه عزيمة. ومنهم من قال التَّداوي سُنَّةٌ. ومنهم من قال التَّداوي عند خوف التَّلف والهلكة أَفْضَلُ.
والصَّحيحُ أنَّه يختلف باختلاف الأحوال والأشخاص، والصَّبرُ عزيمةٌ، والتَّداوي رخصةٌ.
وكان عمرانُ بْنِ حصينٍ قد بالَغ في التَّبَتُّل والتَّقوى والزُّهد؛ حتَّى صار كواحدٍ من الملائكة، يُحدِّثهم ويحدِّثونه، ويصافحهم ويصافحونه.
فقد كانت الملائكةُ تسلِّم عليه - رضي الله عنه - حتَّى اكتوى لأجل الاستشفاء من المرض، فتركت الملائكة السَّلامَ عليه، ثمَّ ترك الاكتواءَ، فعادت الملائكةُ تسلِّم عليه، وفي هذا يقول رضي الله عنه: «نهى رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - عن الكيِّ، فابتُلينا، فاكتَوينا، فما أفلحْنا ولا أنجحْنا» . رواه التِّرمذيُّ وأحمد وغيرهما، وصحَّحه الألبانيُّ.
8 -الشَّكْوَى إلى الله لا تنافي الصَّبْرَ والتَّوَكُّلَ؛ {إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وحُزْنِي إِلَى اللهِ} .
9 -لمَّا ابتلى الله أيُّوبَ ما قال بعد ابتلائه: {اسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ} . اللهُ أمر أيُّوب أن يضرب الأرضَ بِرِجْلِهِ فَنَبَعَ الماءُ الباردُ {مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَاب} .
فدلَّه على العلاج ولم يَشْفِهِ بِدُونِ سَبَبٍ، بل جعل الدُّعاء سببًا.
كثيرٌ من النَّاس يدعو ربَّه فييسِّر له السَّبب، فيُشْفَى وينسى ربَّه، ويتعلَّق بالسَّبب.
10 -قدرةُ الله في شفائه؛ فقد ذهب لحمُه وجسمُه وَنَحَلَ وذهب مالُه وأهلُه، فأعادَ الله له صِحَّتَهُ في لحظاتٍ، وأعاد له أَهْلَهُ وَمَالَهُ، فاغتسل ودخل على زوجته، فإذا هو في أَتَمِّ صِحَّةٍ، فقالت: ما أشبهك بأيُّوب في صِحَّتِهِ! فقال: أنا أَيُّوبُ.
11 -وأعاد اللهُ له أهله بعد الشَّتات.
12 -اطلب الرَّحمةَ دائمًا؛ فلنا وقفةٌ مهمَّةٌ مع قوله تعالى: لأيُّوب: {رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا} .
الرَّحْمَةُ شأنها عَظِيمٌ؛ من نزلت عليه سَعِدَ في الدُّنيا والآخرة؛ {وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الجَنَّةِ} ، و {أَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} ، {وَمَنْ تَقِ السَّيْئَاتِ فَقَدِ رَحِمْتَه} .
وقال في أصحاب الكهف: {رَبَّنَا آتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا} . فَكَافَأهُمُ اللهُ مكافئاتٍ كَثِيرَةً وعظيمةً، وآتى - سبحانه - الخَضِرَ رَحْمَةً، فعلَّمه العِلْمَ.
وَذَكَرَ - سُبْحَانَهُ - زَكَرِيَّا: {ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَا} {يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ} .
اطْلُبِ الرَّحمة في المسجد؛ تجلس فيه قبل الصَّلاة أو بعدها، فإنَّ الملائكة تصلِّي عليك و تقول: «اللَّهم اغفر له وارحمه وتب عليه» .
وأنت في الصَّلاة تغشاك الرَّحمة، وأنت تقرأ القرآن وتستمع له ترحم، تجلس بمجالس الذِّكر، وتغشاك الرَّحمة، وأنت تزور مريضًا تخوض في الرَّحمة برجليك، فإذا جلستَ عند المريض انغمستَ في الرحمة.
هذا الزَّائِرُ، فكيف بالمريض أيُّوب - عليه السَّلام - كما في «صحيح البخاريِّ» حينما تساقط عليه جرادٌ مِنْ ذَهَبٍ فأخذ يحثو فقال ربُّه: ألا تشبع؟ فقال: ومن يشبع من رحمتك؟