فهرس الكتاب
فيها بَيَانُ عَدْلِهِ والحكمة مِنْ خَلْقِ الخَلْقِ؛ فلم يَخْلُقْهُمْ عبثًا، إنَّما خَلَقَهُمْ لِيَخْتَبِرَهُمْ بِطَاعَةٍ، فأقام عليهم الحُجَّةَ بِعَمَلِهِمْ، لا بِعِلْمِهِ.
فيجزي الَّذين أساءُوا وهم الَّذين خالفوا المأمور، أو ارتكبوا المحظور. هؤلاء الَّذين أساءوا؛ ليجزيهم بما عملوا، السَّيِّئَةُ بالسَّيِّئَةِ لا تزيد، أو يَعْفُو.
قوله: {وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى} . بَيَّنَ - سُبْحَانَهُ - سَعَةَ رَحْمَتِهِ؛ فَلَمْ يَقُلْ: «بما عملوا» ؛ لأنَّ فَضْلَ اللهِ أَوْسَعُ مِنْ أَعْمَالِنَا.
فَإِذَا فَعَلْتَ حَسَنَةً فتكون عَشْرَ حَسَنَاتٍ إلى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ إلى أَضْعَافٍ كَثِيرَةٍ.
فالمسيئون يجازيهم بالعَدْلِ أو يَعْفُو، والمحسنون يجازيهم بالفضل والمغفرة للذُّنوب ودخول الجنَّة.
قوله: {الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى} .
هنا بَيَّنَ مَنْ هُمُ الَّذين أحسنوا؛ فَذَكَرَ لَهُمْ عِدَّةَ صِفَاتٍ.
قوله: {يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ} .
ذَكَرَ أَعْظَمَ صِفَاتِهِمْ؛ يَحْرِصُونَ على طَاعَةِ اللهِ، وَيَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالفَوَاحِشِ.
أي: يَبْتَعِدُونَ؛ فلا يتعاطون المحرَّمات والكبائر؛ لأنَّ الذُّنُوبَ على قِسْمَيْنِ؛ كَبَائِرَ، وَصَغَائِرَ.
وَكَبَائِرُ الذُّنُوبِ بَعْضُهَا أَشَدُّ مِنْ بَعْضٍ، وَأَعْظَمُ الكَبَائِرِ الشِّرْكُ، والزِّنا، وَشُرْبُ الخَمْرِ، وَأَكْلُ الرِّبا.
قوله: {إِلَّا اللَّمَمَ} : الصَّحِيحُأنَّها صَغَائِرُ الذُّنُوبِ؛ أي: قد يَقَعُونَ في الذُّنُوبِ الصِّغَارِأَحْيَانًا، ولا يُصِرُّونَ عليها، وهي مكفَّرةٌ بالحسنات، أو باجتناب الكبائر.
وَلِهَذَا قَالَ النَّبيصلَّى الله عليه وسلَّم: «الصَّلَوَاتُ الخَمْسُ، وَالجُمُعَةُ إِلَى الجُمُعَةِ، وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ، مُكَفِّرَاتٌ لِمَا بَيْنَهُنَّ، مَا اجْتُنِبَتِ الكَبَائِرُ» . رواه مسلم.
فَعِنْدَ أحمدَ و «مُسْنَدِ أبي يعلى» بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عن أبي سَعِيدٍ الخدريِّ - رضي الله عنه- أنَّالنَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال «المُؤْمِنُ يَسْهُو ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى إِيمَانِهِ» .
وقد رَسَمَ لنا النَّبيُّ- صلَّى الله عليه وسلَّم - حدًّا واضحًا فاصلًا للمؤمن عن غيره.
ففي «مسند أحمدَ» و «الطَّبرانيِّ» عن أبي موسى، «أنَّ النَّبيَّ - عليه الصَّلاة والسَّلامُ - قال: «مَنْ سَرَّتْهُ طَاعَتُهُ وَسَاءَتْهُ مَعْصِيَتُهُ فَهُوَ مُؤْمِنٌ» .
إِذًا قَدْ يَجْرِي منه في بعض الأحيان شَيْءٌ ممَّا لا يُحْمَدُ، ولكنَّه يستاء، وإذا استاء الإنسانُ مِنْ شَيْءٍ يَنْفِرُ عنه ويتركه، ولذلك ليس من علامات المؤمنين بحالٍ: المواظبةُ على مَعْصِيَةٍ، وَإِنْ قَلَّتْ.
قوله: {إِنَّرَبَّكَ وَاسِعُ المَغْفِرَةِ} .
اللهُ يُرَغِّبُ عِبَادَهُ كلَّهم الكَافِرَ والمُؤْمِنَ صاحب اللَّمَمفيأنه يَتُوبَ على مَنْ تاب؛ أي: مَغْفِرَتُهُ تَسَعُ الذُّنُوبَ كلَّها لِمَنْ تَابَ مِنْهَا.
فالكفَّارُ مع عُتُوِّهِمْ وكُفْرِهِمْ وعِنَادِهِمْ تَسَعُهُمْ مَغْفِرَتُهُ إذا تابوا وأنابوا، وكذلك كلُّ مَنْ عَصَى اللهَ.
فَمَنْ تَابَ تَابَ اللهُ عَلَيْهِ، والمَغْفِرَةُ هِيَ سَتْرُ الذَّنْبِ مع التَّجاوز عنه؛ فَسَتْرُ الذَّنْبِ يَشْمَلُ شَيْئَيْنِ: ألاَّ يُفْضَحَ العَبْدُ، وأن يُمْحَى من الصَّحيفة.
وَمَحْوُ عُقُوبَتِهِ في الدُّنيا والآَخِرَةِ؛ فلا سَبِيلَ للنَّجاة إلاَّ بِعَفْوِهِ وَمَغْفِرَتِهِ وَرَحْمَتِهِ؛ فلولا مغفرتُه، لَهَلَكَتِ البلادُ والعبادُ.
ولولا عَفْوُهُ وحِلْمُهُ لَسَقَطَتِ السَّمَاءُ على الأَرْضِ، ولما تَرَكَ على ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ.
أمَّا سَبَبُ ذِكْرِ السَّعَةِ مع اللَّمَمِ لكثرة أسباب المغفرة في الصَّغائر؛ لأنَّ تَكْفِيرَ السَّيِّئَاتِ له شُرُوطٌ، منها اجتنابُ الكَبَائِرِ، ومنها أَنْ يأتي بمكفِّرٍ ممَّا جاء به الشَّرْعُ، وهي مقيَّدةٌ بشروطٍ.