فأما (( المتشابه ) )فهو الذي استأثر الله، تعالى، بعلمه، وليس في إمكان الطاقة البشرية الوقوف على حقيقة معناه. ولا يعنينا، لاسيما في مجال الفقه والأصول، الخوضُ في هذا القسم من النصوص؛ لأنها تقع ضمن (( ما ليس تحته عمل ) )لا بطريقٍ مباشر ولا غير مباشر. والغاية النهائية الضابطة لتلقي النص الشرعي ولتدبره، هي الفائدة العملية المترتبة عليه، سواء أكانت بطريق مباشرة أو غير مباشرة [1] . ومن هنا، لم يتكلم السلف في معاني مثل هذه النصوص بل إنهم نَهوا عن الخوض فيها. وحسبك في ذلك ما قاله مالك ابن أنس، رحمه الله تعالى، في أية الاستواء: (( الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة ) ) [2] .
وأما (( المجمل ) )فهو الذي لا يمكن الوقوف على المعنى المراد منه إلا بدليل خارج عنه. أو هو، على حد تعبير القفال الشاشي: (( ما لا يستقل بنفسه في المراد منه حتى يبان تفسيره ) ) [3] . وثمة نوعان من الإجمال نلحظهما في النصوص: كلي وجزئي.
فأما الإجمال الكلي: فهو كون النص بحيث لا يفيد أيَّ معنى إلا بتفسيرٍ من قبل الشارع نفسه، وبتعبير الحنفية هو: ما (( لا يُفهم المراد منه إلا باستفسارٍ من المُجْمِل وبيانٍ من جهته يُعرف به المراد ) ) [4] .كقوله تعالى: {وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ} (البقرة:43) في الدلالة على ماهية الواجب، وهي الصلاة المعروفة ذات الأقوال والأفعال المخصوصة التي بينها النبي، صلى الله عليه وسلم.
وأما الإجمال الجزئي: فهو كون النص بحيث يفيد أكثر من معنى في نفس الوقت بحيث لا يمكن الوقوف على أحد هذه المعاني إلا بدليل. وقد لا يكون هذا الدليل من قِبَل الشارع خاصة كما هو الحال في المجمل الكلي. وبتعبير الحنفية: هو الذي (( لا يُنال المراد [منه] إلا بالطلب ثم بالتأمل حتى يتميز عن أمثاله ) ) [5] . والسبب الوحيد في الإجمال الجزئي هو اشتراك اللفظ مفردا ومركبا، كقوله تعالى: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ} (البقرة:228) في الدلالة على معنى القرء، إذ هو دالٌّ على الطهر والحيض بالدرجة نفسها، وقد رجَّح كل فريق من الفقهاء ما يراه بأدلة نصية وغير نصية.
(1) انظر بحثنا في ذلك"تلقي النص الديني: دراسة أصولية مقاصدية"، المعهد العالمي للفكر الإسلامي، نيويورك،
(2) انظر: الزركشي، البحر المحيط، ج 3، 439.
(3) نقله عنه: الزركشي، البحر المحيط، ج 3، ص 454.
(4) السرخسي، أصول السرخسي، ج 1، ص 168.
(5) الشاشي: أبو علي الشاشي، أصول الشاشي، دار الكتاب العربي، بيروت، 1402 ه، ص 81. قاله في تعريف المشكل.