فهرس الكتاب

الصفحة 122 من 384

والذي أراه، وسأسير عليه من الآن، هو أن يُخص مصطلح (( المجمل ) )بالألفاظ ذات الإجمال الكلي فقط. أما الألفاظ ذات الإجمال الجزئي فسأطلق عليها الألفاظ المشتركة، ولا داعي لأن نقول، كما يفعل أصوليو الجمهور،: هي مجملة بسبب الاشتراك [1] .

وأثر قرائن الدلالة على المجمل هو التفسير، وأثرها على المشترك هو الترجيح.

وفي المحصلة نجد أن أثر قرائن الدلالة على النصوص يطال أربعة أنواع منها يختص كل نوع منها بشيء من الغموض أو النقص تجلّيه أو تكمِّله القرينة.

وهذه النصوص هي:

النص المشتمل على الدلالة القاطعة. وأثر القرائن عليه: هو التكميل.

النص المشتمل على الدلالة الظاهرة. وأثر القرائن عليه: التأكيد، أو التأويل، أو التكميل.

النص المشتمل على الدلالة المجملة. وأثر القرائن عليه: هو التفسير.

النص المشتمل على الدلالة المشتركة. وأثر القرائن عليه: هو الترجيح لأحد معانيه.

أما النص المتشابه فلا أثر لقرائن الدلالة عليه، لأنه بلغ الغاية في الغموض إلى درجة أن لم يكن ثمة طريق إلى معرفة حقيقة المراد به ـ عند من يثبتون المتشابه بهذا المعنى ـ لا بالقرينة ولا بغيرها.

(1) والخروج عن اصطلاح الجمهور، وإن كنا من عدم أنصاره عموما، لما يسببه ذلك من خلخلة التواصل بيننا وبين الشريحة العظمى من الأصوليين، إلا أنا، أحيانا، نضطر إليه إذا وُجدت مسوغاته. وفي قضية فصل المشترك عن المجمل، وعدم إدراجه فيه، نجد أن من أكبر المسوغات لهذا الفصل أن المشترك يتميز بخصائص وأحكام عدة تبعد الصلة كثيرا بينه وبين (( المجمل ) )بالمعنى الذي اخترنا. منها: أنه يدل بنفسه على أكثر من معنى يحتمله قصدُ المتكلم بخلاف (( المجمل ) )، فهو لا يدل على أي معنى محتمل. وإذا دل على معنى ما ـ كدلالة الصلاة على الدعاء، والزكاة على النماء ـ فهو معنى لا محتمل من اللفظ ولا مقصود. ومنها: جواز حمله، أي المشترك، على جميع معانيه إذا أمكن، عند بعض الأصوليين كالشافعية، وهذا لا يتيسر في (( المجمل ) ). ومنها: عدم جواز تأخر بيانه، على رأي جماعة من الأصوليين، وهو الأصوب، بخلاف (( المجمل ) ). و منها: إمكان بيانه بالقرينة العقلية والحالية واللفظية والسمعية بخلاف (( المجمل ) )الذي يتوقف بيانه على القرينة السمعية أو النص الشرعي فقط. هذا، ولقد تنبه أصوليو الحنفية، إلى حد ما، إلى الفرق بين المشترك و (( المجمل ) )، ففصلوا المشترك الذي يبين معناه بالتأمل في الكلام لا بالبيان من قبل الشارع عن المجمل الذي لا يبين معناه إلا ببيان من الشارع، وخصوه باسم المشكل. ولقد وافقنهم على الفصل لكننا خالفناهم في التسمية، لأن تسمية هذا النوع من الألفاظ بـ (( المشترك ) )أكثر شيوعا وأوضح دلالة من تسميته بـ (( المشكل ) )الذي لا يكاد يُستخدم في اللغة الأصولية حتى عند الحنفية أنفسهم. نعم، هم يفرقون بين نوعين من أنواع المشترك: أحدهما: ما يبين المعنى المقصود منه بالتأمل، والثاني: ما لا يمكن فيه الترجيح إلا ببيان الشارع. فالنوع الأول من قسم المشكل، والنوع الثاني من قسم المجمل. أما نحن فلا. انظر: البخاري، كشف الأسرار، ج 1، ص 114.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت