الأصوليين، تَعُوْدُ على النص بـ (( التعميم ) ) [1] . ولذا لَمّا جعل الرازي القياس من القرائن وصفه بكونه (( يقتضي تعميم الخاص ) ) [2] . ويعني بالخاص: النص الدال على حكم الأصل. وقال الشاطبي في القياس: (( لا معنى له إلا جعل الخاص الصيغة عام الصيغة في المعنى ) ) [3] . وقال ابن الهمام: (( ليس التعليل [لأجل القياس] حيث كان، إلا لتوسعة المحل ) ) [4] .
ومثال ذلك: العلة التي يستند إليها قوله، صلى الله عليه وسلم،: (( لا يقضين حكمٌ بين اثنين وهو غضبان ) ) [5] ، وهي تَشوُّش الفكر المؤدي إلى الخطأ في الحكم. فإنها وسَّعت من مدلول النهي المقصور في النص الأصل على حالة الغضب فحسب لتجعله ـ عن طريق القياس المنبني عليها ـ متعلقا بكل المحال الأخرى التي تتحقق فيها هذه العلة كحالات النعس والجوع والألم والحزن والاحتقان، وذلك إذا بلغت مبلغا يلزم عنه اضطراب الفكر وتشوشه.
التعميم يختلف عن التأويل:
فإن قيل: ألا يمكن أن يُعد تعميم مدلول النص بالعلة تأويلا، لأنه ليس إلا عمليةً عكسية لعملية التخصيص ـ الذي هو نوع من أنواع التأويل. فالتخصيص يبيِّنُ أن المراد باللفظ العام هو الخصوص، والتعميم، في الجهة المقابلة، يبين أن المراد باللفظ الخاص هو العموم، وكلاهما يتوقف على الدليل، إذن، فهما سِيَّان؟ وإذا كانا كذلك فلا حاجة لأن يُدرج التعميم ضمن ما أسميتَه بـ (( التكميل ) )لأنه مندرج أصلا تحت التأويل، وقد سبق لك بحثه.
فالجواب: هو أنَّ فرقا في الغاية من الدقة بين التعميم والتأويل هو الذي جعلنا نفصل بينهما. ويتمثل هذا الفرق في كون التأويل يتضمن دوما إبطالا للدلالة الظاهرة للنص. فالتخصيص، مثلا، يقضي على ظهور النص في العموم، والتقييد يقضي على ظهور النص في الإطلاق، والحمل على المجاز يقضي على ظهور النص في الحقيقة، وهكذا كل أنواع التأويل التي ذكرناها سابقا. أما التعميم فلا يتضمن دوما إبطال الدلالة الظاهرة للنص، وإنما في حال دون حال:
(1) انظر: السبكي: تاج الدين عبد الوهاب بن علي، جمع الجوامع، دار الكتب العلمية، بيروت، ط 1، 1418 ه=1998 م، ج 2، ص 381. والزركشي، البحر المحيط، ج 3، ص 377.
(2) انظر: الرازي، المحصول، ج 2، ص 497.
(3) الشاطبي، الموافقات، ج 3، ص 51.
(4) ابن الهمام: كمال الدين محمد بن عبد الواحد، شرح فتح القدير، دار الفكر، بيروت، ج 2، ص 192. وانظر: ابن الهمام، التحرير، ج 1، ص 155.
(5) البخاري، الصحيح، (6625) ، كتاب الأحكام، باب هل يقضي القاضي أو يفتي وهو غضبان. ومسلم، الصحيح، (3241) ، كتاب الأقضية، باب هل يقضي القاضي وهو غضبان.