فهرس الكتاب

الصفحة 133 من 384

فأما الحال التي يُبطِل فيها التعميمُ ظاهرَ النص فهي الحال التي يكون فيها للنص المُعمَّم مفهوما مخالفا. فمثلا قياس المتألم على الغضبان في حرمة القضاء أبطل المفهوم المخالف للنص (( لا يقضين حكم بين اثنين وهو غضبان ) )، وبالذات المفهوم المخالف الناجم عن تقييد النهي بحال الغضب دون غيرها من الأحوال، وهو مفهوم صفة. ودلالة المفهوم المخالف هي ـ عند القائلين بها ـ دلالة ظاهرة تَبطُل بالدليل المعارض كدليل القياس.

وأما الحال التي لا يؤثر فيها التعميم على ظاهر النص فهي حالة ما إذا لم يكن للنص المعمَّم مفهوما مخالفا. فقياس قيمة الشاة في الإجزاء على الشاة في قوله، صلى الله عليه وسلم،: (( في صدقة الغنم، في سائمتها، إذا كانت أربعين إلى عشرين ومائة، شاة ) ) [1] لم يؤثر على ظاهر النص؛ لأن النص بظاهره تعرض لإجزاء الشاة، ولم يتعرض لإجزاء غيرها لا بالسلب ولا بالإيجاب. ولا يُقال بأن ذِكْر الشاة دون غيرها نفيٌ لإجزاء غيرها بدلالة المفهوم المخالف، والقياسُ أبطل هذا المفهوم ... ؛ وذلك لأن المفهوم الناجم عن تخصيص الشاة بالذكر هو مفهوم لقب، وهو غير معتبر إلا عند شرذمة من الأصوليين عِيب عليهم قولهم به [2] .

قال الغزالي في قول أبي حنيفة بإجزاء القيمة في الزكاة: (( قال بعض الأصوليين: كل تأويل يرفع النص أو شيئًا منه فهو باطل، ومثاله تأويل أبي حنيفة في مسألة الإبدال حيث قال، عليه الصلاة والسلام: (( في أربعين شاة شاة ) )، فقال أبو حنيفة: الشاة غير واجبة، وإنما الواجب مقدار قيمتها من أي مال كان. قال [بعضُ الأصوليين] : فهذا باطلٌ لأنّ اللفظ نصٌّ في وجوب شاة، وهذا رفْعُ وجوبِ الشاة فيكون رفعًا للنص. [قال الغزالي:] وهذا غير مرضي عندنا، فإن وجوب الشاة إنما يسقط بتجويز الترك مطلقا، فأما إذا لم يجز تركها إلا ببدل يقوم مقامها فلا تخرج الشاة عن كونها واجبة، فإن من أدى خصلة من خصال الكفارة المخيَّر فيها فقد أدى واجبها، وإن كان الوجوب يتأدى بخصلة أخرى، فهذا توسيعٌ للوجوب. واللفظ نصُّ في أصل الوجوب لا في تعيينه وتصنيفه، ولعلَّه ظاهر في التعيين محتمِلٌ للتوسيع، وهو كقوله: (( وليستنجِ بثلاثة أحجار ) ) [3] فإنّ إقامة المدر [الطين المتماسك] مقامَهُ [أي الحجر] لا يُبطل وجوبَ الاستنجاء، لكن الحَجَرُ يجوز أن يتعيّن ويجوز أن يُتخيَّر بينه وبين ما في معناه )) [4] . وكلام الغزالي هذا غايةٌ في الدقة إلا قولَه عن النص (( في أربعين شاة شاة ) ): (( لعلّه ظاهرٌ في التعيين محتمِلٌ للتوسيع ) )؛ لأنه ليس هناك ما يجعل النص بنفسه ظاهرا في تعيُّن الشاة، إذ التعيُّن معناه نفيُ إجزاء غير الشاة، ولا يدل على هذا المعنى في النص إلا المفهوم المخالف الناجم عن تخصيص الشاة بالذكر،

(1) البخاري، الصحيح، (1362) ، كتاب الزكاة، باب زكاة الغنم.

(2) انظر: الزركشي، البحر المحيط، ج 4، ص 25. وابن السمعاني، قواطع الأدلة، ج 1، ص 239.

(3) البخاري، الصحيح، (152) بمعناه، كتاب الوضوء، باب لا يستنجى بروث.

(4) الغزالي، المستصفى، ج 1، ص 394 - 396.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت