فهرس الكتاب

الصفحة 138 من 384

والسبب الثاني ـ وهو الأهم: أن التعليل ليس تصرفا عقليا محضا كاللزوم العقلي الذي في دلالة الإشارة مثلا، ولا هو تصرف لغوي كاللزوم الذي في مفهوم الموافقة مثلا، بل هو تصرف عقلي مستند إلى الأدلة السمعية الدالة على وجوب القياس. ومن هنا، لا يُقال به في كلام الناس بل في كلام الشارع خاصة كما ذكر الأصوليون [1] .

النوع الثاني من أنواع التكميل: تكميل النص ـ الواضح ـ عن طريق بيان بعض خصائص ما اشتمل عليه من مدلولات:

وهذا التكميل ناجم عما سبق لنا أن أسميناه بـ (( قرائن التركيب ) ). وسنذكر الأمثلة التي أوردها أبو الحسين البصري لمثل هذه القرائن، ثم نبين، بعد ذلك، كيف يُعد هذا النوع من الاقتران مكمِّلا للنص الأصل ومُؤثرا عليه عن طريق بيان بعض خصائص ما اشتمل عليه من المدلولات أو المضامين.

ذكر أبو الحسين البصري لهذا النوع من القرائن: أمثلة ثلاثة، قال:

أمّا (( القرينة التي ليست بحال المتكلم، فضربان:

أحدهما: أن تكون القرينة خطابا آخر.

والآخر: أن تكون القرينة تعلقا بين ما تناوله الخطاب وبين ما لم يتناوله.

أما الضرب الأول [وهو الذي يعنينا هاهنا] فأشياء:

• منها: أن يكون أحد الخطابين يدل على أن الشيء صفة، والآخر يدل على اختصاص تلك الصفة بحكم من الأحكام، فنعلم أن ذلك الشيء يختص بذلك الحكم. وذلك مثل قوله، سبحانه: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} (الحجر:9) ، وذلك يدل على أن القرآن ذكر. وقوله تعالى: {مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ} (الأنبياء:2) يدل على حَدَثِ الذِّكر. فوجب من كلا الاثنين كون القرآن محدَثا )) ، على رأي المعتزلة!

• (( ومنها: أن يدل الخطاب على اختصاص حكم بشيئين، ويدل خطاب آخر على أن أحد الشيئين يختص ببعض ذلك الحكم، فنعلم أن الشيء الآخر يختص ببقية ذلك الحكم. كقول الله، سبحانه: {وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا} (الأحقاف:15) يدل على أن مدة الحمل ومدة الرضاع ثلاثون شهرا. ودل قوله: {وفِصَالُهُ في عَامَين} (لقمان:14) على أن [أقلَّ] الحمل يكون ستة أشهر، لأن الفصال يكون في عامين.

• ومنها: أن يكون أحد الخطابين طريقا إلى أن لشيء من الأشياء حكما، وأنه ليس لغيره، ويدل خطاب على أن ذلك الحكم المذكور لبعض الأشياء، فنعلم أنه هو الأول أو جزء منه. نحو

(1) انظر: الغزالي، المستصفى، ج 2، ص 267.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت