قوله، سبحانه: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ} (البقرة:185) يدل على أن ابتداء نزول القرآن في شهر رمضان، لعلْمِنا أنّ كثيرا منه قد نزل في غير شهر رمضان، وقوله: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْر} (القدر:1) يدل على أن ابتداء نزوله في ليلة القدر، وذلك لا يكون إلا وليلة القدر هي جزء من شهر رمضان. وهذا إنما يصح متى ثبت بالإجماع أن قوله: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْر} (القدر:1) يفيد أن ابتداء نزوله في ليلة القدر )) [1] .
وبغض النظر، عن صحة أو خطأ النتائج التي تضمنتها بعض هذه الأمثلة، والأمثلة لا تحتمل التنقير [2] ، فإنَّا نلحظ بسهولة أن مثل هذا النوع من الاقتران هو من قبيل الاستدلال المنطقي البرهاني الذي يقوم على الجمع بين قضيتين للوصول إلى إثبات قضية ثالثة. ومن هنا، فإن الفخر الرازي، لما أورد هذا النوع من القرائن، متأثرا بالبصري، عَمِد إلى صياغة المثال الأول صياغة منطقية. فقال:
المثال (( الأول: أن يدل أحد النصين على إحدى المقدمتين، والثاني على الثانية، فيحصل المطلوب. كقولنا: تارك المأمور عاص، لقوله تعالى: {أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي} (طه:93) ، والعاصي يستحق العقاب، لقوله تعالى: {وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فيها} (النساء:14) ، [فيلزم عن ذلك أن تارك المأمور معاقب] )) [3] . فاستفدنا من كلامه هذا أمرين:
أحدهما: ما قلناه من أن هذا النوع من الاقتران هو اقتران منطقي تترتب فيه المقدمات ترتيبا منطقيا ما لإعطاء النتائج.
والثاني: أن دور النص والقرينة في هذا النوع من الاقتران هو التدليل على صحة المقدمات: فالنص يؤكد صحة المقدمة الأولى، والقرينة تؤكد صحة المقدمة الثانية.
ونستطيع تلخيص وترتيب ما تضمنه كلاما البصري والرازي من مقدمات ونتائج في الجدول التالي:
(1) أبو الحسين البصري، المعتمد، ج 2، ص 347.
(2) لأن الغرض من المثال هو التوضيح فحسب فإذا حصل فقد أدى المثال دوره، حتى لو لم يكن هو في نفسه صوابا. قال الغزالي، رحمه الله تعالى: (( وإذا ضبطنا قاعدة برابطة، وقيدناها بمثال، فإن سنح للناظر في عين ذلك المثال شيء، فلْيطلبْ مثالا أمثلَ وأقربَ منه، ولا ينعطف على القاعدة المعلومة بالإبطال لما يتطرق إلى الأمثلة من الاختلال ) ). الغزالي، شفاء الغليل، ص 507.
(3) الرازي، المحصول، ج 1، ص 179.