هذا ما يتعلق بكون تأثير القرينة المنتمية إلى هذا النوع من القرائن يندرج تحت ما أسميناه بـ (( بيان بعض خصائص ما اشتمل عليه النص الواضح ) ). وأما فيما يتعلق بكون هذا التأثير يندرج ضمن مسمى أعم هو (( التكميل ) )، فهذا مما قلدنا فيه أبا الحسين البصري، رحمه الله، أول من وجدناه من الأصوليين قد نبَّه على مثل هذا النوع من الاقتران، وإلا فالقرائن الأخرى المؤثرة على النص بالتأويل أو التفسير أو الترجيح تدخل ضمن المعنى اللغوي العام للتكميل، إذ كلٌ منها يكمِّل النص بوجه. فإذا ظفرت بتسميةٍ هي أدنى إلى المعنى الذي قد عرفت فعليك بها. فمن المهم أن لا نتشاجر على الأسماء ما دمنا قد اتفقنا على الحقائق.
الأثر الرابع: تفسير مجمل النص:
تفسير المجمل يعني بيان المراد منه، و (( المجمل ) )ـ كما اصطلحنا عليه في هذه الدراسة [1] ـ هو اللفظ أو النص الذي لا ينكشف المراد منه إلا بتفسير من قِبَل المُجْمِل نفسه. وعليه، كان لا بد في القرينة المفسِّرة، أو الرافعة للإجمال، أن تكون سمعية، أي أن تكون نصا، أو ما يستند إلى نص كالقياس والإجماع وقول الصحابي وعمله فيما لا مدخل فيه للرأي.
ومثال القرينة الرافعة للإجمال، أو لشيء منه، قوله، صلى الله عليه وسلم: (( لا يحل دم امرئ مسلم يشهد: أن لا إله إلا الله وأنّي رسول الله إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والثيب الزاني، والمارق من الدين التارك للجماعة ) ) [2] بالإضافة إلى النص: (( أُمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا: أنَّ لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة. فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله ) ) [3] فالنص الأول، وهو القرينة، رَفَعَ الإجمال الموجود في النص الثاني، وبالذات في قوله، صلى الله عليه وسلم: (( إلا بحق الإسلام ) ). ومثالها، أيضا، كل النصوص التي وردت عن النبي، صلى الله عليه وسلم، في بيان أفعال الصلاة أو مقادير الزكاة أو مناسك الحج، بالإضافة إلى النص: {وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ} (البقرة:43) والنص: {وَآتُوا الزَّكَاةَ} (البقرة:43) ، والنص: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا} (آل عمران:97) .
(1) انظر: ص 105.
(2) البخاري، الصحيح، (6370) ، كتاب الديات، باب قول الله تعالى أن النفس بالنفس. ومسلم، الصحيح، (3175) ، كتاب القسامة والمحاربين والقصاص والديات، باب ما يباح به دم المسلم.
(3) البخاري، الصحيح، (24) ، كتاب الإيمان، باب فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتو الزكاة فخلوا سبيلهم. ومسلم، الصحيح، (29) ، كتاب الإيمان، باب الأمر بقتال الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله محمد رسول الله.