فهرس الكتاب

الصفحة 151 من 384

المكتوب، واللغة هي الموصوفة في كتب القواعد وفقه اللغة والمعجم ونحوها. والكلام قد يحدث أن يكون عملا فرديا، ولكن اللغة لا تكون إلا اجتماعية )) [1] .

وأما قولنا: أهل التخاطب، فهو تعبير اختصرناه من تعبير القرافي (( العرف الذي به التخاطب ) )، وذلك عندما عرَّف (( الحقيقة ) )بكونها: (( استعمال اللفظ فيما وُضع له في العرف الذي به التخاطب ) ) [2] ، وقد استَعْمَلَ هذا التعبير ليعالج به قصور التعريف المشهور للحقيقة، وهو أنها: (( اللفظ المستعمَل فيما وُضع له ) )، ليجعله، بعد إضافة هذا القيد له، شاملا للحقائق الثلاث: اللغوية: وهي اللفظ المستعمل فيما وُضع له عند أهل اللغة، والشرعية: وهي اللفظ المستعمل فيما وُضع له في الشرع، والعرفية: وهي اللفظ المستعمل فيما وُضع له عند أهل العرف.

فأهل التخاطب، في رأينا: هم الوسط من الناس الذين يرتبطون فيما بينهم بـ (( رابطة ) )ما، بحيث ينجم عن هذه (( الرابطة ) )وجود علاقات تخاطبية متكررة بينهم، مما ينتج عنه، في كثير من الأحيان، وجود لغة خاصة ـ تستند إلى اللغة الأم ـ مشتركة بينهم.

و (( الرابطة ) )التي تربط بين أهل التخاطب تتحدد بعاملين:

• أفقي، وهو المكان.

• وعمودي، وهو الزمان.

1.فعلى صعيد العامل الأفقي المكاني أو الجغرافي نجد أن أهل التخاطب يتوسعون على شكل دوائر متحدة في المركز لكن بعضها أوسع من بعض. فأضيق هذه الدوائر هم أهل البقعة السكنية الواحدة، أي: أهل البيت الواحد، ثم الدائرة الأوسع هم أهل القرية الواحدة، ثم أهل مجموعة القرى المتقاربة والتي قد تصب في مدينة واحدة، ثم أهل البلد الواحد، فأهل عدة بلاد متقاربة وهكذا. فكل دائرة من هذه الدوائر تشكل (( أهل تخاطب ) )تجمعهم لغة مشتركة. ولا نقصد باللغة المشتركة إبداعا للغة أخرى غير اللغة الأم، وإنما هي مجموعة من التخصيصات والاختيارات والإضافات للمواد المعجمية والصرفية والتركيبية التي تنتمي إلى اللغة الأم تجعل لهذه المواد معاني أكثر تحديدا وأقل عموما وغموضا، أو ربما تجعل لها معاني مرتجلة أو مجازية جديدة، ليست موجودة في اللغة الأم. والذي يُبرهن بوضوح على نشوء مثل هذه اللغة المشتركة بين كل دائرة من دوائر التخاطب أن أهل البلد الواحد ـ كأهل الأردن مثلا ـ يفهم بعضهم عن البعض الآخر أكثر مما يفهم أهل البلدين المختلفين عن

(1) حسان، اللغة العربية مبناها ومعناها، ص 32. ومما قد يُستشف منه تفريق الأصوليين بين اللغة المتواضَع عليها والكلام غير المتواضع عليه، قولُ التاج السبكي: (( وضْعُ الواضِع له [أي اللفظ] معناه أنه جعله متهيئا لأن يفيد ذلك المعنى عند استعمال المتكلم له على الوجه المخصوص، والمفيد في الحقيقة إنما هو المتكلم، واللفظ كالآلة الموضوعة لذلك ) ).الإبهاج، ج 1، ص 193.

(2) القرافي، شرح تنقيح الفصول، ص 40.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت