2.وعلى صعيد العامل العمودي المحدِّد للرابطة التي تربط بين أهل التخاطب، وهو الزمان، نجد ـ بعد تثبيتنا للعامل الأفقي وهو المكان أو العرف الخاص ـ أن كل فترة زمنية محددة ينفرد أهلها بلغة خاصة مشتركة فيما بينهم. فمثلا لغة أهل أي بلد من البلاد قبل قرن من الزمن تختلف عن لغتهم اليوم، حتى لو فرضنا أن أهل هذا البلد لم يزالوا هم أنفسهم لم يخرجوا من بلدهم ولم يدخل أحد إليهم. وهذا شيء واضح ومسلم لا يحتمل الشرح أو الجدال. وهو ناجم عن الحقيقة اللسانية الثابتة وهي (( تطور اللغة ) )بمضي الزمن.
إذن، أهل التخاطب هم الناس الذين يرتبطون برابطة (( مكانية/زمانية ) )ما، أو برابطة (( اجتماعية-مكانية/زمانية ) )ما. وشيوع استعمال المادة اللغوية في الدلالة على معنى ما فيما بينهم هو الذي قلنا بأنه (( التواضع ) ). وبهذا ندرك أن التواضع أمرٌ نسبي يخضع لعاملي الزمان والمكان. ولقد انتبه الأصوليون إلى هذه الحقيقة ففرقوا بين الوضع اللغوي، والوضع الشرعي، والوضع العرفي العام والوضع العرفي الخاص. فالوضع اللغوي هو الذي يمثل اللغة المشتركة بين العرب قبل الإسلام وبعده إلى نهاية عصر الاحتجاج باللغة [1] . والوضع
(1) ومما تنبغي الإشارة إليه هو أن نظرة بعض الأصوليين وبعض اللغويين القدماء إلى واضع اللغة العربية قد انتابتها بعض الأوهام، وأثَّرت فيها بعض الروايات والإسرائيليات المختلقة كرواية بلبلة الألسن في بابل، ورواية إلهام الله تعالى اللغة العربية لإسماعيل، عليه السلام، وغير ذلك من الروايات التي جمعها السيوطي في كتابه: المزهر في علوم اللغة وأنواعها، ج 1، ص 30 ـ 35. ثم إن بعضهم اعتقد أن الخلاف الذي دار بين علماء الكلام واللغة والأصول في وضع اللغة الأولى التي تكلم بها آدم، عليه السلام، يجري نفسه في وضع اللغة العربية، حتى قال أبو علي الفارسي النحوي عن آدم، عليه السلام: (( إنه كان يحسن من النحو مثل ما أحسن سيبويه ) ) [البحر المحيط، ج 2، ص 18] . وقال الأستاذ أبو منصور البغدادي: (( من قال بالتوقيف على اللغة الأولى وأجاز الاصطلاح فيما سواها من اللغات [وهم الجمهور] اختلفوا في لغة العرب: فمنهم من قال: هي أول اللغات، وكل لغة سواها حدثت بعدها: إما توقيفا وإما اصطلاحا. واستدلوا بأن القرآن كلام الله، وهو عربي، وهو دليل على أن لغة العرب أسبق اللغات وجودا. ومنهم من قال: لغة العرب نوعان: أحدهما: عربية حمير، وهي التي تكلموا بها في عهد هود ومن قبله، وبقي بعضها إلى وقتنا. والثاني: العربية المحضة التي نزل بها القرآن. وأول من أطلق لسانه بها إسماعيل. فعلى هذا القول يكون توقيف إسماعيل على العربية المحضة محتملا أمرين: إما أن يكون اصطلاحا بينه وبين جرهم النازلين عليه بمكة، وإما أن يكون توقيفا من الله، وهو الصواب ) ) [البحر المحيط، ج 2، ص 16] . قلت: بل كل ما قيل خطأ وأوهام، ولا مستند له من عقل أو شرع. أما اللغة الأولى، لغة آدم، عليه السلام، فلا ندري ـ ولا يعنيننا أن ندري ـ أأوقفه الله عليها أم اصطلح عليها هو وأبناؤه. قال الزركشي في مسألة واضع اللغة الأولى: (( الخلاف فيها طويل الذَّيْل قليل النَّيْل ولا يترتب عليها معرفة عمل من أعمال الشريعة، وإنما ذُكرت في علم الأصول؛ لأنها تجري مجرى الرياضيات التي يرتاض العلماء بالنظر فيها ) ) [البحر المحيط، ج 2، ص 18] . وأما اللغة العربية ـ الموجودة في المعاجم وكتب النحو ـ فهي اصطلاحية قطعا، لم يضعها إسماعيل، عليه السلام، ولا غيره، بل هي قبل إسماعيل، عليه السلام، وأثناء وجوده، وبعد وجوده وإلى نهاية عصر الرواية، كانت تتطور باستمرار، تحيى فيها ألفاظ ومعان، وتموت أخرى. وهي تعود في جذورها إلى ما أسماه الباحثون في أصول اللغات: (( اللغة السامية ) )، والتي تلاشت وانتهت ـ عن طريق التبديل والتطوير اللغوي المتتابع والمستمر لألفاظها والممتد لفترة طويلة هنا وهناك ـ إلى عدة لغات مختلفة تجمعها الكثير من الخصائص المشتركة في المفردات والتراكيب، هي: اللغة العربية والعبرية والحبشية والآرامية والآشورية والفينيقية وغيرها. واللغة السامية في هذا التطور تشبه اللغة اللاتينية التي تلاشت وانتهت بتفرعها إلى عدة لغات كالفرنسية والإسبانية والإيطالية وغيرها. وفكرة تطور اللغة العربية عن السامية ـ من وجهة النظر اللغوية الحديثة ـ ليست هي نظرية من النظريات الظنية، بل هي أشبهُ شيء بالحقيقة إلى الحد الذي دعا أنستاس الكرملي إلى القول بأن: (( اتفاق أصول الساميات أمرٌ لا يجهله صبيان الكتاتيب ) ) [الكرملي: أنستاس، نشوء اللغة العربية ونموها واكتهالها، مكتبة الثقافة الدينية. ص 36] . ومما تتفق فيه اللغات السامية مع بعضها البعض: (( كثرة الأصول الثلاثية، أو المبنية قياسا على تلك الأصول، ووجود الزمنين الرئيسين لحدوث الفعل، وتغير الدلالة بتغير حركات الكلمة الداخلية، وفيما عدا ذلك نلاحظ المشابهة في بناء الموازين الاسمية والفعلية، وكذلك اتفاق صيغ الضمائر، وطريقة استعمالها. وصيغ الفعل، والمشابهة الكبيرة، إلى حد كبير، في تركيب الكلام وبناء الجمل، وأخيرا كثرة المفردات المشتركة بين هذه اللغات ) ) [الجنابي: أحمد نصيف، ملامح من تاريخ اللغة العربية، دار الرشيد للنشر، العراق، 1981 م، ص 14] . وممن انتبه من الأصوليين إلى هذه الحقيقة في نشوء اللغة العربية، ولعلّه الوحيد، ابن حزم الأندلسي. قال، رحمه الله، بعد أن أيَّد كون لغة آدم، عليه السلام، توقيفية: (( إلا أننا لا ننكر اصطلاح الناس على إحداث لغاتٍ شتى بعد أن كانت لغة واحدة وُقفوا عليها ... و من تدبر العربية والعبرانية والسريانية [= الآرامية] ، أيقن أن اختلافها من نحو ما ذكرناه من تبديل ألفاظ الناس على طول الأزمان، واختلاف البلدان، ومجاورة الأمم، وأنها لغة واحدة في الأصل ) ) [الإحكام، ج 1، ص 31] . قال د. مصطفى جمال الدين في رأي ابن حزم هذا: (( وهو رأي لم يكن معروفا عند اللغويين العرب، بل ولا عند غيرهم قبل البحوث اللغوية المقارنة في القرن التاسع عشر. اللهم ما أشار إليه الخليل من أن الكنعانيين كانوا يتكلمون بلغة تضارع العربية ) ). [جمال الدين: مصطفى، البحث النحوي عند الأصوليين، دار الرشيد، العراق، 1980 م، ص 54] .