فأما على القصد الأول، وهو العموم، فإنه لا يصح قصر تأثير قرائن حال المتكلم على النص بكونها مكملة لظاهره فحسب، بل هي مؤولة له أو مؤكدة أو مفسرة أو مرجحة في كثير من الأحيان.
وأما على القصد الثاني، وهو الخصوص، فإنه لا يصح، أيضا، إدراج قرينة حال المتكلم من حيث انتصابه لتعليم الشرع ضمن قرائن تكميل الظاهر، وذلك لأنا لم نجد هذه القرينة، من خلال الأمثلة التي ذكرها البصري، تؤثر على المعنى الظاهر للنص بتاتا، وإنما هي تؤثر فقط على النص ذي الدلالة المشتركة، ولقد أكَّد البصري هذا بقوله، مستدركا على ما قرره من ترجيح الحكم الشرعي على الحكمين العقلي واللغوي،: أما (( إذا كان ظاهر خطابه [أي الشارع] يفيد حكما عقليا، ومجازه يفيد الشرعي، فالواجب حمله على ظاهره [أي على الحكم العقلي، وهذا على عكس القاعدة] ؛ لأنا إنما نرجح حملَه على الشرعي بكون النبي، صلى الله عليه وسلم، منتصبا لتعليم الشرع. وذلك إنما يتم مع تردد خطابه بين الشرعي والعقلي على سواء ) ) [1] . وإذن، فالنص المتأثر بهذه القرينة هو النص المشترك ـ (( المتردد ) )بتعبير البصري ـ لا الظاهر. وعليه، فكيف يتسنى القول بأن هذا النوع من القرائن يُكمِّل ظاهر النص؟؟!
والأمر الثالث الذي يُؤخذ على القسمة: هو أن البصري فرَّق بين توسيع النص بالتعليل أو القياس، وبين توسيعه بالإجماع، فجعلهما قسمين، مع أن الإلحاق أو التوسيع بالإجماع لا يخرج عن كونه قياسا، لكنه قياس بعلة (( غير مناسبة ) )دليلها الإجماع، كما هو الحاصل فيما مثل له من إلحاق الخالة بالخال في حكم الإرث بالإجماع.
والأمر الرابع: هو أنه حصر (( اللزوم المتأخر ) )في قسمين هما: ما يلزم عن فعل الواجب، وما يلزم عن فعل المباح، مع أنه لا ينحصر بهذين القسمين، إذ يمكننا أن نضيف قسمين آخرين: أحدهما: ما يلزم عن فعل المندوب، كما لو فرضنا بأن ستر الفخذ مندوب على مذهب مالك، وهذا لا يتم إلا بستر جزء من الركبة فحكمه كذلك. والقسم الآخر: ما يلزم عن فعل الحرام، كالمكث في الأرض بعد غصبها، أو الانتفاع بالمسروق بعد سرقته، فإن هذين اللازمين داخلان في حكم النص الناهي عن الغصب والناهي عن السرقة. أما ما يلزم عنه الحرام ـ كالذرائع ـ وما يلزم عنه المكروه، فهما في الخارج متقدمان على الحرام وعلى المكروه لا متأخران، فلا يدخلان في هذا القسم بل في الذي قبله، وهو (( اللزوم المتقدم ) ).
(1) أبو الحسين البصري، المعتمد، ج 2،ص 346.