ومما نأخذه على هذه القسمة هو أنها غير حاصرة، إذ أين تدخل القرائن اللفظية؟ والقرائن المرجحة لأحد معنيي المشترك؟ وقرائن تفسير المجمل؟ والقرائن الحالية التي تؤثر على النص بالتأويل أو الصرف إلى المجاز؟ وحسنة هذه القسمة أنها أدرجت النسخ ضمن القرائن. لكنَّ جعْلَ البصريِّ قرينةَ النسخ ضمن قرائن المجاز إنما يتمشى مع الرأي القائل بأن النسخ تخصيص في الأزمان. وبغض النظر عن صواب هذا الرأي أو خطئه، فإن النسخ ينفرد بخصائص كثيرة تفصله عن تخصيص العام، ولذا كان من الأولى فصله عنه.
القسمة الثالثة:
قال: (( اعلم أن القرينة المخصصة: إما أن تستقل بنفسها في الدلالة، أو لا تستقل بنفسها.
فإن استقلت بنفسها، فهي ضربان: عقلية، ولفظية.
أما العقلية: فنحو الدلالة الدالة على أن غير القادر غير مراد بالخطاب بالعبادات.
وأما اللفظية: فنحو أن يقول المتكلم بالعام: أردتُّ به البعضَ الفلانيَّ فقط.
فأما إن كانت القرينة لا تستقل بنفسها [فذلك] نحو الاستثناء والشروط والتقييد بالصفة، كقول القائل: جاءني بنو تميم الطوال )) [1] .
ثانيا: تقسيمات إمام الحرمين (ت 478 ه (:
تعرض إمام الحرمين لتقسيم القرائن التي تؤثر على دلالة النص في ثلاثة مواضع من كتابه البرهان:
الأول: في باب الأوامر.
والموضع الثاني: في باب العام ومخصصاته.
والموضع الثالث: أثناء رده دعوى (( عزة النصوص ) ).
وكل التقسيمات التي أوردها لم تكن حاصرة ولا مستوفية.
القسمة الأولى:
قال: صيغة الأمر تُفرض مطلقة ومقيدة. فأما تقييدها فهو بالقرائن، (( وهي تنقسم إلى: قرائن مقال، وقرائن أحوال.
أما الأحوال: فلا سبيل إلى ضبطها تجنيسا وتخصيصا، ولكنها إذا ثبتت لاح للعاقل في طَرْد العرف أمورٌ ضرورية ... وأما قيود المقال بألفاظ لغوية، فيفهمها من يعرف العربية )) [2] .
(1) أبو الحسين البصري، المعتمد، ج 1، ص 362 - 364.
(2) الجويني، البرهان، ج 1، ص 185 - 187.