ثانيا: المادة الصرفية لمفردات الخطاب:
المادة المعجمية للكلمة مادةٌ تُوصف بكونها (( كُلِّية ) ). والكلي ـ كما هو معلوم ـ لا يوجد إلا في الذهن، فإذا أردنا إبرازه إلى الخارج لم نقدر إلا من خلال الجزئيات التي تشتمل عليه [1] . فالمادة: (( ض ر ب ) )، مثلا، لا توجد في الكلام، الذي هو أداة التواصل بين الناس، هكذا مقطَّعة الأوصال، بل إنها تنتقل من وضع السكون في المعجم إلى وضع الحركة في الكلام المحكي أو المكتوب، من خلال قالَب، أو صيغة، أو (( مادة صرفية ) )معينة: كَـ (( ضَرَبَ ) )بصيغة الفعل الماضي، أو (( ضَرْب ) )بصيغة المصدر، أو (( ضَارِب ) )بصيغة اسم الفاعل، أو (( مَضْروب ) )بصيغة اسم المفعول، أو (( مِضْرَب ) )بصيغة اسم الآلة، أو (( مَضْرَب ) )بصيغة المصدر الميمي واسمي الزمان والمكان، أو (( ضَرْبَة ) )بصيغة اسم المرة ... الخ.
فالمادة الصرفية، إذن، هي القَالَب الذي تُحشى به المادة المعجمية.
وهذا القالب، بِحَسَب الهيئة التي يُصاغ بها، يُضيف معنى آخر إلى جوار المعنى المعجمي هو (( المعنى الصرفي ) ). ثم يتضافر المعنيان كلاهما في إعطاء ما سأسميه بـ (( المعنى الفردي ) )للكلمة المتصرِّفة. وسأقول لك لماذا سميت هذا المعنى بـ (( الفردي ) )بعد قليل.
فمثلا، الصيغة أو القالب: (( فَعَلَ ) )الذي حشونا به المادة (( ض ر ب ) )فصارت الكلمة المكوَّنة منهما ـ أي المكوَّنة من القالب والحشوة ـ هي: (( ضَرَبَ ) )، أضفى معنى جديدا على المعنى المعجمي للمادة (( ض ر ب ) )هو المعنى الصرفي للصيغة (( فَعَلَ ) )، والتي تدل على حصول الحدث ـ وهو الضرْب ـ مقترنا بالزمن الماضي خاصّة. ثم تضافر المعنيان: المعجمي والصرفي، في الدلالة على (( المعنى الفردي ) )للكلمة (( ضَرَبَ ) ).
إذن: المعنى المعجمي للمادة (( ض ر ب ) )، وهو مجرد إيقاع شيء على شيء، اتحد مع:
المعنى الصرفي للصيغة (( فَعَلَ ) )، وهو حصول الحدث في الزمن الماضي، فكوَّنا معا:
المعنى الفردي للكلمة (( ضَرَبَ ) )، وهو حصول إيقاع شيء على شيء في الزمن الماضي.
تأمّل الرسم التالي:
(1) قال الدكتور تمام حسان، اللغة العربية مبناها ومعناها، ص 168: (( إنَّ المعجميين لم يَروْا في الأصول الثلاثة [أي الحروف الأصلية للكلمة] أكثر من مُلخَّص علاقة أو رحم قُربى بين المفردات التي تترابط معجميا بواسطتها؛ ولذلك كان الإجراء المفضَّل عندهم في معاجمهم أن يفصلوا في الكتابة بين أصول المادة حتى لا تُفهم منها كلمة ما ) ).