هذا الرسم يمثل العلاقة بين المادتين: المعجمية والصرفية من جهة، وبين الكلمة من جهة أخرى. كما ويمثل العلاقة بين المعنيين: المعجمي والصرفي من جهة، وبين المعنى الفردي من جهة أخرى. ومفاده هو: أن الكلمة المتصرفة ما هي إلا حصيلة حشو المادة المعجمية في المادة الصرفية. والمعنى الفردي لهذه الكلمة ما هو إلا حصيلة حشو المعنى المعجمي في المعنى الصرفي. ومما يظهر للمتأمل في الرسم أن المادة المعجمية ومعناها قد اتخذا الشكل الهلامي الغير محدد المعالم (= الحشوة) . أما المادة الصرفية ومعناها فقد اتخذا شكل الإطار المفرغ من الداخل (= القالب) . وأما الكلمة ومعناها الفردي فقد اتخذا شكل الإطار المملوء بالمادة الهلامية (= القالب + الحشوة) .
والملاحظ على الكلمة المؤلفة من المادتين: المعجمية والصرفية، أنها، وبإسهام من إحدى مكونتيها، قد لا تقف عند الدلالة على المعنى الفردي، بل إنها تتعدى ذلك إلى الدلالة على (( معنى نظمي ) ). والفارق بين المعنيين، أي (( النظمي ) )و (( الفردي ) ): هو أن المعنى الفردي للكلمة هو معنى قاصرٌ عليها، أي أنه لا يظهر له أثرٌ في غيرها من الكلمات، بينما (( المعنى النظمي ) )للكلمة هو معنى متعدٍّ يظهر أثره في غيرها من الكلمات؛ ولذلك سمينا الأول بـ (( الفردي ) )أي الذي يقتصر على الكلمة المفردة نفسها، وسمينا الثاني بـ (( النظمي ) )أي التركيبي الذي يظهر أثره في غير الكلمة التي صدر عنها [1] .
(1) ويجوز لنا بأن نسميه (( المعنى النحوي ) )كما يحلو للبعض، لكنا اخترنا اصطلاح (( المعنى النظمي ) )لما ارتبط في الأذهان وجرى عليه الكثيرون من ارتباط المعاني النحوية فقط بالكيفية الصحيحة التي يقبلها النظام اللغوي لتركيب الكلام، وبالأثر الإعرابي الذي تحدثه فيه. و (( المعنى النظمي ) )أعم من ذلك، إذ يدخل فيه، بالإضافة إلى المعنى الذي يتعلق بصحة الكلام وإعرابه، المعنى البلاغي الذي يتعلق بمراعاة الكلام لمقتضى الحال. فمثلا، العبارة: (( أكرم زيدٌ خليلًا ) )، والعبارة: (( أكرم خليلًا زيدٌ ) )صحيحتان من حيث كيفية التركيب. واختلاف التقديم والتأخير ما بين (( زيد ) )و (( خليلا ) )لم يؤثر على المعنى الإعرابي للجملتين: فالفاعل هو (( زيد ) )في الحالين، والمفعول به هو (( خليلا ) )في الحالين كذلك، ولذا فالنحوي لا يعبأ بهذا التقديم والتأخير؛ لأنه لم يُبطل الجملة ولم يغير في المعنى الإعرابي لمفرداتها، وهاتان هما غايتا النحوي بالمفهوم الدارج. أما البلاغي فينظر في هذا التقديم والتأخير، ويبين أنه هنا له دلالة على الاهتمام بالمقدَّم، وذلك مراعاة لمقتضى الحال، كأن يكون الكلام، مثلا، إجابةً على سؤال سائل يقول (( مَن أكرمَ زيدٌ؟ ) )فيكون الجواب (( أكرم خليلًا زيدٌ ) )أو (( خليلًا أكرم زيدٌ ) ).