فهرس الكتاب

الصفحة 210 من 384

فمثلا، إذا عُدنا إلى الكلمة المفردة (( ضَرَبَ ) )نجد أن لها معنى فرديا قاصرا عليها، وهو الذي سبق بأن قلنا: إنه حدوث إيقاع شيء على شيء في الزمن الماضي. لكن لا تقف الكلمة عند هذه الدلالة فحسب، وإنما نجد أنها:

1.تدل، باللزوم، على حتمية وجود فاعلٍ للضرب؛ لأن العقل يقضي بأنه لكل فعل لا بد من فاعل.

2.وتدل، عن طريق المفهوم المخالف لمعناها الصرفي، أي عن طريق أن القالب الذي صِيغت فيه هو على هذه الهيئة الخاصة دون غيرها، على أمرين:

أحدهما: أن من أوصاف فاعل الضرْب أنه غائب، إذ لو كان حاضرا لما كان القَالب على هذا النحو، بل سيكون الفِعْل فيه مقترنا بضمير المتكلم أو المخاطَب، كـ (( فَعَلْتُ ) (( فَعَلْتَِ ) )، أو (( فَعَلْنَا ) (( فَعَلْتُم ) )، و (( فَعَلْتُنَّ ) ).

والأمر الثاني: أن من أوصاف فاعل الضرب، أيضا، أنه مذكّر، في حالة كونه مفردا أو مثنى لا جمعا، إذ لو كان مفردا مؤنثا، أو مثنى مؤنثا، لاقترن الفِعْل بتاء التأنيث وصار على هيئة القالب (( فَعَلَتْ ) ). وإنما اشترطنا لهذه الدلالة حالة الإفراد والتثنية واستثنينا حالة الجمع؛ لأن اللغة العربية تسمح باقتران تاء التأنيث بالفعل إذا كان فاعلُه مذكرا جمعا كما تقول: ضاعت الأوطان، واشتدت الأحزان.

3.وتدل، باللزوم أيضا، على ضرورة وجود مفعول به للضرب؛ لأن الفعل (( ضرب ) )متعد لا لازم.

ودلالة الكلمة (( ضَرَبَ ) )على هذه المعاني الثلاثة ـ أي على وجود الفاعل، وعلى كونه غائبا مذكرا، وعلى وجود المفعول به ـ هي دلالة متعدية لهذه الكلمة، أي: يظهر أثرها في غيرها، وهو الفاعل والمفعول به في هذه الحالة.

فإن قيل: الكلمة التي فَرَضْتَ الكلام فيها هي الكلمة المفردة المعزولة عن الخطاب، فكيف تقول الآن بأن لها معنى نظميا يظهر أثره في غيرها؟ فهذا يقتضي أنها ليست معزولة عن الخطاب، لأن وجود الغير مع الكلمة يقتضي التركيب ولا بد!!

فالجواب هو أني لا زِلت على فرْضي بأن الكلمة مفردة ومعزولة عن الخطاب، وهي مع ذلك تدل على معنى نظمي تركيبي. فمن يُنكر أنه إذا سمع الكلمةَ (( ضَرَبَ ) )مفردةً، دلَّه عقلُه، إذا أعمله، على حتمية وجود فاعلٍ للضرْب؟! ولكي ندرك كيف تدل الكلمة المفردة المعزولة على معنى تركيبي فإنه لا مناص لنا عن الاستعانة باصطلاحَيْ علماء المنطق والكلام: (( القوة ) )، و (( الفعل ) )، فهم يقولون، مثلا: إن الباري، سبحانه وتعالى، يُوصف بأنه خالق ورازق في الأزل حتى قبل أن يخلق ويرزق؛ لأنه في ذلك الوقت خالق ورازق بـ (( القوة ) )، أي لديه الإرادة والقدرة على ذلك حتى لو لم يفعل، أما بعد أن خَلَقَ ورَزَقَ فهو خالق ورازق بـ (( الفعل ) ). والكلمة المفردة المعزولة عن الخطاب لها دلالة تركيبية بالقوة لا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت