فهرس الكتاب

الصفحة 215 من 384

أولا: العلامة الإعرابية، الرفع أو النصب أو الجر، والتي يُرصِّع بها الناطق باللغة العربية أواخرَ الكلمات القابلة لظهور علامة الإعراب عليها، ليدل بذلك على أوجه التعلق أو المعاني النظمية بين كلمات الخطاب ككل. فانظر، مثلا، إلى قوله تعالى: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} (فاطر:28) كيف أن علامة النصب، وهي الفتحة، الموجودة آخرَ لفظ الجلالة (( اللهَ ) )دلت على أن العلاقة بين الفعل (( يخشى ) )وبين هذا اللفظ هي علاقة تعدية، لا علاقة إسناد، أي أن لفظ الجلالة مفعول لهذا الفعل لا فاعل، بينما دلت علامةُ الرفع، وهي الضمة، الموجودة آخرَ الاسم (( العلماءُ ) )على أن العلاقة بين الفِعل (( يخشى ) )، وبين هذا الاسم هي علاقة إسناد لا علاقة تعدية، أي أن لفظ العلماء فاعل لهذا الفعل لا مفعول.

ولا يخفى على المتأمل أن العلامة الإعرابية ليست هي مادة معجمية أو مادة صرفية، إذ هي لا تظهر على الكلمة المعربة المفردة إذا عُزلت عن الخطاب، وإنما تظهر عليها فقط حالة التركيب.

ثانيا: الترتيب، أي: ترتيب الكَلِم في الخطاب، أو قل: (( التقديم والتأخير ) )باصطلاح البلاغيين، أو (( الرتبة ) )باصطلاح النحويين. وترتيب الكلمات في الخطاب نوعان: إجباري واختياري:

-فالإجباري: هو الذي يحتمه النظام اللغوي وإلا لم يصح الكلام، كوجوب أن يتقدم الاسم الموصول على جملة الصلة، والمنعوت على النعت، والمبدل على البدل، والمؤكَّد على التوكيد، والمعطوف عليه على المعطوف، وحرف الجر على الاسم المجرور، والمضاف على المضاف إليه ... الخ. وهذا الترتيب الإجباري يعمل، بمساعدة غيره، على إبراز المعاني النظمية. فمثلا في العبارة: (( أكرم موسى عيسى ) )، نجد أن الترتيب الإجباري للفاعل على المفعول الذي يفرضه النظام اللغوي في مثل هذه الحالة هو الذي دلنا على أن العلاقة ما بين (( موسى ) (( أكرمَ ) )هي علاقة إسناد، وما بين (( أكرمَ ) (( عيسى ) )هي علاقة تعدية، أي أن الفاعل هو (( موسى ) )، والمفعول به هو (( عيسى ) )لا العكس.

-والترتيب الاختياري: هو الذي لا يحتِّمه النظام اللغوي بل يدع المتكلم في سَعَةٍ من التقديم والتأخير بين كلمات الخطاب: كتقديم المبتدأ على الخبر أو العكس، وتقديم الفاعل على المفعول أو العكس، وتقديم الحال على الفعل أو العكس، وتقديم المفعول به على الفعل أو العكس ... الخ. والمعاني الناجمة عن مثل هذا النوع من الترتيب هي (( معان نظمية بلاغية ) )، لا (( معاني نظمية نحوية ) )من قبيل التي تتوقف عليها صحة الكلام أو التي تؤلف بين مفرداته، فمثلا في العبارتين: (( ممنوعٌ التدخين ) )، و (( التدخين ممنوع ) )، نجد أن المعنى النحوي الذي هو الإسناد بين المبتدأ والخبر لم يتأثر باختلاف الترتيب بين المبتدأ والخبر، لكن دل تقديم الخبر (( ممنوع ) )في العبارة الأولى على احتفال المتكلم واهتمامه بالمنع

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت