فهرس الكتاب

الصفحة 216 من 384

وإرادته إبرازَه ولذلك قدمه، ودل تأخيره في العبارة الثانية على العكس [1] . وفي العبارتين: (( ضرب زيدٌ خليلًا ) )، و (( ضرب خليلًا زيدٌ ) )، لم يؤثر اختلاف الموقع بين (( زيد ) (( خليلًا ) )في الجملتين على علاقة الإسناد بين الفعل (( ضرب ) )والفاعل (( زيد ) )، ولم يؤثر كذلك على علاقة التعدية بين الفعل (( ضرب ) )والمفعول به (( خليلًا ) ). وإنما الذي دل عليه الترتيب هو احتفال المتكلم بالضارب في الجملة الأولى، واحتفاله بالمضروب في الجملة الثانية، وهذا إنما يكون بحسب المقام أو الحال التي قيل فيها الكلام؛ ولذا نسبنا هذا المعنى النظمي إلى البلاغة لا إلى النحو، فالبلاغة هي التي تُعنى بمطابقة الكلام لمقتضى الحال، بينما النحو ـ فيما استقر عليه علم النحو ـ يهتم بالكيفية التي يقبلها النظام اللغوي لتركيب الكلام.

ولا يخفى على المتأمل، هنا أيضا، أن الترتيب، هو مادة صوتية تركيبية، وليست معجمية ولا صرفية؛ لأنها لا تظهر في الكلمة المفردة المعزولة، بل في الخطاب أو التركيب.

ثالثا: الموافقة، أي بين كلمات الخطاب. ويكون ذلك ـ كما يقول الدكتور تمام حسان ـ في خمسة أمور، هي:

(( 1. العلامة الإعرابية.

2.الشخص (التكلم والخطاب والغيبة) .

3.العدد (الإفراد والتثنية والجمع) .

4.النوع (التذكير والتأنيث) .

5.التعيين (التعريف والتنكير ) ) ) [2] .

وقد اشترط النظام اللغوي العربي في الكلام الصحيح: إما أن يكون متوافقا ـ في واحد أو أكثر من هذه الأمور الخمسة ـ إذا أُريد به الدلالة على بعض المعاني النظمية. وإما أن يكون متخالفا إذا أُريد به الدلالة على معان أخرى:

فمثلا، يُشترط في التابع أن يكون متوافقا مع متبوعه في: العلامة الإعرابية، والتعريف والتنكير والتذكير والتأنيث، والإفراد والتثنية والجمع، فإذا انخرم شرط من هذه الشروط انعدم معنى التبعية، وبالتالي لم يستقم الكلام، أو تحول معنى التبعية إلى معنى آخر.

فمن قال: (( أكلتُ تفاحةً كبيرا ) )، لم يكن كلامه مستقيما إذا كان يعني أنه أكل تفاحةً كبيرة، لأن النعت (( كبيرا ) )لا يتفق مع المنعوت (( تفاحة ) )في التذكير والتأنيث. فإذا أردنا حمل كلام القائل على الصحة، لأن مِثْلَه، فَرَضَا، لا يُخطئُ هذا الخطأ، لم يكن لنا، حينئذٍ،

(1) ومن هنا فإنه من الأبلغ أن نقول، إذا أردنا كتابة إعلان عام ليدل على منع التدخين: (( ممنوعٌ التدخين ) )؛ لأن في ذلك تأكيدا على المنع، وهو المطلوب وجوده، والتدخين مطلوب عدمه، والمطلوب وجوده أولى بالتقدم من المطلوب عدمه. أما إذا رأينا رجلا يدخن في مكان عام، فالأبلغ أن نقول له: (( التدخين ممنوع ) )؛ لأنه حينئذ ملابس للتدخين، فالتدخين موجود، والمنع معدوم فناسب أن نبدأ بالموجود لا المعدوم. والله أعلم.

(2) حسان، اللغة العربية مبناها ومعناها، ص 211،212.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت