بدٌ من تحويل معنى النعت إلى شيء آخر. وهاهنا نجد بأن النظام اللغوي يسمح باعتبار (( كبيرا ) )حالا للمتكلم، إذِ الحال المفردة يُشترط فيها: الخلو عن (( ألـ ) )التعريف، والنصب، والموافقة مع صاحب الحال في التذكير والتأنيث، وكل هذا متوافرٌ في الكلمة (( كبيرا ) )، فيصير معنى الكلام حينئذٍ أن المتكلم أكل التفاحة وهو كبير، أي في سن كبيرة.
ومن قال: (( الدارُ واسعةٌ ) )، وسكت، كان كلامه تاما ومفيدا ومستقيما بخلاف من قال: (( الدارُ الواسعةُ ) )، وسكت، وذلك لأن الموافقة بين (( الدار ) )و (( واسعة ) )في الجملة الثانية في (( ألـ ) )التعريف ربطت بين الكلمتين بمعنى التبعية الذي هو النعت، والنعت والمنعوت بمفردهما لا يقويان على تكوين جملة تامة، إذ يُشترط في الجملة الخبرية التامة أن تحتوي، على الأقل، على علاقة إسناد واحدة.
وفي الجملة: (( كلَّمتْ موسى سلمى ) )نجد أن الموافقة في التأنيث بين الفعل (( كلمت ) )والاسم (( سلمى ) )هي التي ربطت بينهما بعلاقة الإسناد، أي أن سلمى هي الفاعل و (( موسى ) )هو المفعول به، ولو كان الفعل خاليا من علامة التأنيث بأن كان (( كلم ) )بدل (( كلمت ) )، لكان (( موسى ) )هو الفاعل لا غير.
وتأمل معي هذه الحادثة: قال الأصمعي: (( سمعت مولى لآل عمر بن الخطاب يقول: أخذ عبدُ الملك بن مروان رجلا كان يرى رأيَ الخوارج، رأيَ شبيب، فقال له: ألست القائل:
ومِنَّا سُويدٌ والبَطِيْنُ وقَعْنَبٌ ومِنَّا أميرُ المؤمنينَ شبيبُ [1] .
فقال: إنما قلت: و (( منَّا أميرَ المؤمنين شبيبُ ) )بالنّصب، أي: يا أميرَ المؤمنين، فأمر بتخليته )) [2] .
فانظر كيف خلَّص هذا الرجل نفسه بأن ألغى الموافقة في العلامة الإعرابية بين الكلمتين: (( أمير ) )و (( شبيب ) )، وبهذا انتفت علاقة التبعية البدلية بينهما، وارتبطت الكلمة (( شبيب ) )حينئذٍ بالكلمة (( مِنَّا ) )بعلاقة إسناد المبتدأ والخبر.
فقد كانت العلاقة بين الكلمات المذكورة في الجملة برفع (( أميرُ ) )على النحو التالي:
ومعناها: أن أمير المؤمنين، الذي هو شبيب، هو واحدٌ منا. وفي هذا إنكارٌ لخلافة عبد الملك بن مروان.
ثم صارت العلاقة بين الكلمات، بعد نصب (( أميرَ ) )على النحو التالي:
(1) شبيب هو بن يزيد الخارجي: من زعماء الخوارج، وسويد والبطين وقعنب أسماء رجال كانوا في جيشه.
(2) ابن قتيبة: أبو محمد عبد الله بن مسلم الدينوري، عيون الأخبار، دار الكتب العلمية، بيروت، ج 2، ص 171.