فهرس الكتاب

الصفحة 229 من 384

أحدهما: معناهما المعجمي: فالكمثرى ثمرة معروفة. والأفعى حيوان معروف. والمادة المعجمية للكلمتين من جهة دلالتها على هذين المعنيين لا تُعدُّ قرينة. لأنها تدل عليهما في أول الحال.

والثاني: معناهما النظمي: وهو كون الأفعى هي الفاعل للابتلاع، والكمثرى هي المفعول به. وهذا المعنى لازم عن المعنى المعجمي لكل من الكلمتين ومتأخر عنه في الذهن، أي أنه معنى حاصل في ثاني الحال، وذلك لأن العقل، بعد أن يدرك في أول الحال المعنى المعجمي لكل من الكلمتين على انفراد، يحيل، في ثاني الحال، ومن خلال خبرته المسبقة عن (( الكمثرى ) (( الأفعى ) )، أن تكون الكمثرى هي المبتلِعة للأفعى، ويقرر بأن الأفعى هي المبتلعة لها. وبالتالي يحدد الفاعل من المفعول. ومن جهة دلالة المادة المعجمية لـ (( الكمثرى ) (( الأفعى ) )على هذا المعنى تُعد هذه المادة لكل من الكلمتين قرينة. والنحويون يسمّون هذا النوع من القرائن، والذي يكشف عن العلاقات النحوية في الجملة بمجرد المعنى المعجمي للكلمات، بـ (( القرينة المعنوية ) ) [1] .

مثال آخر:

في قول الشاعر: أمانا أيها القمر المُطلُّ فمن جفنيك أسيافٌ تُسلُّ.

الكلمة: (( جفنيك ) )لها معنيان:

أحدهما: معنى معجمي، وهو الجفن المعروف المغطي للعين. والمادة المعجمية تدل على هذا المعنى في أول الحال.

والثاني: معنى نظمي لازم عن المعنى المعجمي، ومدلول عليه في ثاني الحال، وهو أن المراد بـ (( القمر ) )في الشطر الأول من البيت هو المرأة الجميلة لا الكوكب المعروف. ومن جهة الدلالة على هذا المعنى كانت المادة المعجمية للكلمة (( جفنيك ) )قرينة؛ وذلك لأن العقل بعد أن يدرك، في أول الحال، المعنى المعجمي، للجفن، يحيل، في ثاني الحال، أن يكون القمر بمعنى الكوكب هو المقصود؛ إذ الكوكب لا جفن له، ثم يقرر بأن المقصود هو المرأة الجميلة.

ولاحظ أن هذا المعنى النظمي للكلمة (( جفنيك ) )لم يتضمن التأثير على الموقع الإعرابي للكلمة (( قمر ) )ـ كما في المثال السابق ـ لكنه كان عبارة عن مجرد تحديد للمعنى المعجمي المقصود منها. ومن هنا كان البحث فيه من اختصاص البلاغين لا النحويين.

(1) انظر: ابن هشام، شرح قطر الندى وبل الصدى، ص 186.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت