معرفةُ المراد منه من أقوال المكلفين: إن المراد منه إنما (( يُعرف من قرينة الوقفة والنَّغمة ) ) [1] ، وقول الزركشي: (( سكوتُ المتكلم على كلامه [بالوقف] كالجزء من اللفظ، ويلتحق بالقرائن اللفظية ) ) [2] .
ولذا فإن الذي نراه ـ اقتراحا لا توصيفا ـ هو أن نَعُدَّ المادة التركيبية في كافة أشكالها وكافة أحوالها قرينة. فالعلامة الإعرابية قرينة على المعنى الذي تدل عليه، وكذا الموافقة والترتيب والملامح الصوتية وغير ذلك مما سبق شرحه.
ومسوغات هذه الاقتراح هي ما يلي:
أولا: أنا لا نجد حدا فاصلا ومنطقيا نبني عليه التفريق بين ما يُعد قرينة من هذه المواد وبين ما لا يُعد. ومادام أنه لا فرق، وقد أُطلِق على البعض لفظ القرينة، فالكل قرائن.
فإن قيل: لماذا لا يكون التواضع وعدمه هو الفارق بين ما هو قرينة وبين ما ليس كذلك؟
فالجواب: أن المواد التركيبية هي كلها مواد متواضع عليها، وإن كان قد يبدو لك بأن الملامح الصوتية كالوقف والتنغيم لا تدل بالتواضع فهذا ما لا نستطيع أن نزعمه، وذلك لأنا نرى أن لكل لغة أو لكل (( أهل تخاطب ) )أنماطا محصورة من التنغيم يشترك فيها العموم ولا يختص متكلم ما بإبداعها. وكذلك الوقف فإن له دلالات محددة يشترك فيها العموم، كدلالة الوقف التام والطويل على تمام معنى الكلام وبالتالي ختمه، أو السماح للطرف الآخر بأن يبدأ كلامه، ودلالة الوقف الأقصر ـ كما هو على نهايات الآيات في قوله تعالى: {فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ، وَخَسَفَ الْقَمَرُ، وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ، يَقُولُ الْأِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ} (القيامة:7 - 10) ـ على عدم تمام المعنى بعد.
ثانيا: أن حدَّ القرينة، كما ارتضيناه، ينطبق على هذه المواد جميعها فهي مواد تقترن بالخطاب أو بجزء منه فتؤثر في دلالته.
ثالثا: أنه ليس لهذه المواد معنى في نفسها حتى نقول بأنها في دلالتها على هذا المعنى ليست قرينة. نعم هي تدل على معناها النظمي مباشرة، وفي أول الحال، لكنّ هذا لا يقدح في كونها قرينة؛ لأنا لم نرَ عدم الصراحة واللزوم شرطا في القرينة عموما. أما جعْلنا اللزوم، أو الدلالة في ثاني الحال، شرطا في كون المادتين: الصرفية، والمعجمية قرينة؛ فلأنه لا بد من هذا الشرط لكي يحصل التأثير في الغير بالنسبة للمادة المعجمية وأبرز أشكال المادة الصرفية؛ ولأنا لحظنا اعتبار هذا الشرط في الاستعمال النحوي والأصولي والبلاغي للقرينة.
(1) النووي، روضة الطالبين، ج 8، ص 114.
(2) الزركشي، البحر المحيط، ج 2، ص 37.