فهرس الكتاب

الصفحة 308 من 384

? وأما المعرفة بالحال الطارئة للمتكلم:

فتضم هذه المعرفة أمرين يعرضان للمتكلم وقت إنشاء الخطاب بالذات، وهما: هيئته الطارئة. ودوره الاجتماعي الطارئ. وعليه، كانت المعرفة بالحال الطارئة للمتكلم قسمان:

• أحدهما: المعرفة بهيئة المتكلم العارضة له وقت إنشاء الخطاب. ومثل هذا النمط من المعارف أو القرائن الحالية هو ما عبر عنه الغزالي بقوله: (( إنَّ قصد الاستغراق يُعلم بعلم ضروري يحصل عن قرائن أحوال ورموز وإشارات وحركات من المتكلم وتغيرات في وجهه ... وقرائن مختلفة لا يمكن حصرها في جنس ولا ضبطها بوصف ) ) [1] . فمعنى الكلام، ولو كان المتكلم والكلام واحدا، يتغير حالة الغضب عنه حالة الرضا، وحالة النعس عنه حالة الصحو، وحالة الاستعجال عنه حالة وجود فسحة من الوقت، وحالة الشِّبَع عنه حالة الجوع، وحالة الإقامة عنه حالة السفر، وحالة التعب عنه حالة الراحة، وحالة الاضطجاع عنه حالة القيام أو الجلوس ... الخ. ولعل هذا هو ما دعا أبا بكرة، رضي الله تعالى عنه، إلى أن ينتبه فينقل هيئة النبي، صلى الله عليه وسلم، في حديثه عن الكبائر. فقَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( أَلا أُنَبِّئكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ قُلْنَا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: الإِشْرَاكُ بِاللَّهِ وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ، وَكَانَ مُتَّكِئًا فَجَلَسَ، فَقَالَ: أَلا وَقَوْلُ الزُّورِ وَشَهَادَةُ الزُّورِ أَلا وَقَوْلُ الزُّورِ وَشَهَادَةُ الزُّورِ، فَمَا زَالَ يَقُولُهَا حَتَّى قُلْتُ لا يَسْكُتُ ) ) [2] . وقد قال الحنفية فيمن وكَّل غيره بشراء لحم: إن الموكِّل إن كان مقيما فيجب على الوكيل أن يحمل كلامه على اللحم النيِّئ. أما إن كان مسافرا فإنه يجب حمل كلامه على اللحم المشوي أو المطبوخ [3] .

وهاهنا قد يُقال بأن تأثير التغيُّر في هيئة المتكلِّم، عندَ الكلام، على معنى الكلام صادقٌ على المتكلمين من البشر العاديين، أما النبي، صلى الله عليه وسلم، فلا. ويُستدل لذلك بما رُوي عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، رضي الله عنه، قَالَ: كُنْتُ أَكْتُبُ كُلَّ شَيْءٍ أَسْمَعُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أُرِيدُ حِفْظَهُ، فَنَهَتْنِي قُرَيْشٌ، وَقَالُوا: أَتَكْتُبُ كُلَّ شَيْءٍ تَسْمَعُهُ، وَرَسُولُ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، بَشَرٌ، يَتَكَلَّمُ فِي الْغَضَبِ وَالرِّضَا، فَأَمْسَكْتُ عَنْ الْكِتَابِ. فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَوْمَأَ بِأُصْبُعِهِ إِلَى فِيهِ، فَقَالَ: (( اكْتُبْ فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا يَخْرُج منْهُ إِلا حَقٌّ ) ) [4] . وهذا الاستدلال ليس بمتجِّه؛ لأن حديث عبد الله بن عمرو، رضي الله عنه، لا ينفي التغير في دلالة النص قوة وضعفا نتيجةً لتغير الهيئة عند الكلام. وإنما الذي ينفيه هو كون الكلام الصادر عن النبي، صلى الله عليه وسلم،

(1) الغزالي، المستصفى، ج 2، 41.

(2) البخاري، الصحيح، (5519) ، كتاب الأدب، باب عقوق الوالدين من الكبائر.

(3) انظر: الشاشي، أصول الشاشي، ص 94.

(4) أبو داود، السنن، (3161) ، كتاب العلم، باب في كتاب العلم. ورجاله ثقات.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت