حالةَ الغضب أو غيرها، لاغيا، أي: لا دلالة له على التشريع أصلا. وهذا باطل؛ إذ ليس شأنُه، صلى الله عليه وسلم، شأنَ سائر البشر الذين يقولون عند الغضب وغيره ما لا يعتقدون أو ما يعودون عنه إذا رجعوا إلى طبيعتهم. وبناء عليه، يمكن القول، مثلا، بأن النهي إذا اقترن بالغضب أفاد التحريم قطعا أو ظنا غالبا بخلاف غير المقرون به الذي قد يحتمل التحريم وقد يحتمل الكراهة.
والقسم الآخر من قِسْمَيِ المعرفة بالحال الطارئة للمتكلم: المعرفة بالدور الاجتماعي الذي يمثله المتكلم وقت إنشاء الخطاب. فالمتكلم الواحد قد يتخذ عدة أدوار في المجتمع. وهو عند الكلام يمثل دورا واحدا فقط من هذه الأدوار. فمثلا قد يصدر الكلام عن المتكلم بوصفه رب أسرة، أو بوصفه مدير شركة، أو بوصفه رئيس جمعية خيرية، أو بوصفه رئيس (( جاهة ) )تسعى للإصلاح، أو بوصفه مواطن عادي، أو بوصفه صديق، أو بوصفه زميل، أو بوصفه واعظ في المسجد، أو بوصفه معارض سياسي ... الخ. وكل وصف من هذه الأوصاف يطبع كلام المتكلم بطابع خاص ويؤثر عليه تأثيرا ما. ولأن هذه الأدوار تتبدل وتتغير على الشخص الواحد في المناسبات المختلفة جعلناها تدخل ضمن ما أسميناه بالحال الطارئة للمتكلم. فقول أحد المرشحين للنيابة في البرلمان، وهو يخاطب الناس في بيانه الانتخابي: (( إنّ صوتك أمانة فامنحه لمن يستحقه ) )لا يَقصد به النصيحة للخلق، وإنما يقصد القول: امنح صوتك لي فإني ممن يستحقه. بينما لو وردت العبارة نفسها في كلامه كمحاضر أو كواعظ قبل أن ينوي الترشح، فلا يُفهم منها إلا النصيحة للخلق.
والتفاتا إلى هذا النوع من حال المتكلم قسّم الإمامان العز والقرافي الأفعال والأقوال التي صدرت عن النبي، صلى الله عليه وسلم: 1. إلى ما صدر عنه بحكم كونه مبلغا مفتيا. 2. وإلى ما صدر عنه بحكم كونه إماما. 3. وإلى ما صدر عنه بحكم كونه قاضيا. فكل هذه الأوصاف الخاصة بالنبي، صلى الله عليه وسلم، هي عبارة عن أحوال تطرأ عليه، صلى الله عليه وسلم، بحسب المناسبات المختلفة، تمثِّل دورا من الأدوار التي قام بها في المجتمع.
قال القرافي في تصرفات النبي، صلى الله عليه وسلم:
(( منها: ما يكون بالتبليغ والفتوى إجماعا.
ومنها: ما يُجمع الناس على أنه بالقضاء.
ومنها: ما يُجمع الناس على أنه بالإمامة.
ومنها: ما يُختلف فيه لتردده بين رتبتين فصاعدا، فمنهم من يغلِّب عليه رتبة، ومنهم من يغلِّب عليه أخرى.
ثم تصرفاته بهذه الأوصاف تختلف آثارُها في الشريعة:
? فكل ما قاله أو فعله على سبيل التبليغ كان حكما عاما على الثقلين إلى يوم القيامة: فإن كان مأمورا به، أقدم عليه كل أحد بنفسه، وكذلك المباح. وإن كان منهيا عنه، اجتنبه كل أحد بنفسه.