فهرس الكتاب

الصفحة 335 من 384

عليه وسلم: ادخروا ثلاثا، ثم تصدقوا بما بقي. فلما كان بعد ذلك، قالوا: يا رسول الله إن الناس يتخذون الأسقية من ضحاياهم ويَجمِلون منها الودك. فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: وما ذاك؟ قالوا: نهيتَ أن تُؤكل لحوم الضحايا بعد ثلاث. فقال: إنما نهيتكم من أجل الدافة التي دفت، فكلوا وادخروا وتصدقوا )) [1] .

في هذا الحديث يتضح لدينا أن نهيه، صلى الله عليه وسلم، عن ادخار لحوم الأضاحي بعد ثلاث ليال، قد توقف على سبب مثير، وعلى علة باعثة.

فأما السبب المثير، فهو دفوف الدافة فترة العيد وحاجة هذه الدافة إلى الطعام.

وأما العلة الباعثة، فهي إرادة النبي، صلى الله عليه وسلم، أن يتصدق كل مسلم بما فضل من أضحيته على هؤلاء الدافة، مما ينجم عنه رفع حاجتهم.

ومن خلال هذين المثالين نجد أن سبب الخطاب وعلة الخطاب يشتركان في كونهما عاملين من العوامل التي ولّدت الخطاب، لكن يفترق السبب عن العلة في كونه مثيرا خارجيا وظاهرا للنطق بالخطاب، أما العلة فهي حافز داخلي لذلك. كما أن السبب أسبق في الوجود من العلة؛ لأن السبب يُعد قضية تستدعي المعالجة. وهذه المعالجة تتم عن طريق الخطاب الموجَّه نوعا وكيفا عن طريق العلة. وعليه، كان السبب هو المثير للعلة وللخطاب، والمثير إلى الشيء يسبق الشيء ولا ريب.

سبب الخطاب وعلته وتأثيرهما على دلالته:

(( اخرجي من البيت ) )، عبارة قالها زوج لزوجه مرتين:

وبعد قولها في المرة الأولى: حملت المرأة متاعها وذهبت إلى بيت أبيها. وبعد مُضي أسبوع، وبتدخلٍ من أهل الخير، رجعت إلى البيت.

(1) مسلم، الصحيح، (3643) . كتاب الأضاحي، باب بيان ما كان من النهي عن لحوم الأضاحي بعد ثلاث وبيان نسخه وإباحته إلى متى شاء. قال النووي:

(( قوله، صلى الله عليه وسلم:(إنما نهيتكم من أجل الدافة التي دفت) قال أهل اللغة: (الدافَّة) بتشديد الفاء: قوم يسيرون جميعا سيرا خفيفا , ودفَّ يدِف بكسر الدال , ودافة الأعراب: من يرد منهم المصر , والمراد هنا من ورد من ضعفاء الأعراب للمواساة ... قوله: (إن الناس يتخذون الأسقية من ضحاياهم , ويجملون منها الودك) , قوله: (يَجمِلون) بفتح الياء مع كسر الميم وضمها , ويقال: بضم الياء مع كسر الميم , يقال: جملت الدهن أجمله بكسر الميم وأجمله بضمها جملا , وأجملته إجمالا: أي أذبته.

قوله، صلى الله عليه وسلم: (إنما نهيتكم من أجل الدافة التي دفت فكلوا وادخروا وتصدقوا) هذا تصريح بزوال النهي عن ادخارها فوق ثلاث. وفيه الأمر بالصدقة منها , والأمر بالأكل , فأما الصدقة منها إذا كانت أضحية تطوع فواجبة على الصحيح عند أصحابنا بما يقع عليه الاسم منها , ويُستحب أن يكون بمعظمها. قالوا: وأدنى الكمال أن يأكل الثلث ويتصدق بالثلث ويهدي الثلث , وفيه قول أنه يأكل النصف , ويتصدق بالنصف , وهذا الخلاف في قدر أدنى الكمال في الاستحباب , فأما الإجزاء فيجزيه الصدقة بما يقع عليه الاسم كما ذكرنا , ولنا وجه أنه لا تجب الصدقة بشيء منها. وأما الأكل منها فيستحب ولا يجب , هذا مذهبنا ومذهب العلماء كافة , إلا ما حُكي عن بعض السلف أنه أوجب الأكل منها )) . النووي، شرح صحيح مسلم، ج 13، ص 30،31.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت