فهرس الكتاب

الصفحة 336 من 384

وبعد قولها في المرة الثانية: خرجت المرأة مسرعة من البيت لم تأخذ شيئا معها، ثم ذهبت إلى بيت صهرها، ولحق بها الزوج وعادا معا إلى البيت بعد مضي مدة.

أتدري لماذا اختلفت طريقة (( الاستجابة ) )التي استجابت بها الزوجة للعبارة في كلا المرتين مع أن العبارة واحدة لم يُزد عليها ولم يُنقص منها؟ إنه لا شك تغيُّر معناها ما بين المرتين، فكيف كان ذلك؟

في المرة الأولى ثار جدل بين الزوج وزوجه وارتفعت أصواتهما وتراشقا الاتهامات، ثم بعد ما فاض الأمر بالزوج قال لها: (( اخرجي من البيت ) )، ففعلت ما فعلت.

وفي المرة الثانية: كان الزوج قد حمل مدفأة (( الكيروسين ) )وهي مشتعلة، فعثر واندلق (( الكيروسين ) )، وشبَّت النار في إحدى الغرف، فقال الزوج لزوجه، ولم يكن سواهما في البيت: (( اخرجي من البيت ) )، ففعلت ما فعلت.

في المرة الأولى كان سبب الخطاب هو إغضاب المرأة لزوجها وكيلها الاتهامات له. وعلة الخطاب هي إرادة الزوج أن يلقن زوجه درسا بإظهاره الرغبة في الاستغناء عنها. وفي المرة الثانية كان سبب الخطاب هو نشوب الحريق في المنزل. وعلة الخطاب هي إرادة الزوج أن يحافظ على حياة زوجه. ولهذا اختلف المعنى المقصود من العبارة ما بين المرتين.

لا شك أنك أدركت بهذا المثال كيف يؤثر سبب الخطاب وعلته على معنى الخطاب ودلالته.

وهاك مثالا آخر يوقفك بشكل أكبر على هذا التأثير، وليس التمثيل هذه المرة بخطاب بشري بل بنص شرعي:

روى البخاري عن عمرو بن سليم الأنصاري، قال: أشهد على أبي سعيد الخدري، قال: أشهد على رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال: (( الغسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم، وأن يستنّ [أي: يستاك] وأن يمس طيبا إن وجد ) ). قال عمرو: (( أما الغسل فأشهد أنه واجب، وأما الاستنان والطيب فالله أعلم أواجبٌ هو أم لا، ولكن هكذا في الحديث ) ) [1] .

هذا النص النبوي دالٌ بمقتضى ظاهره وصريحه على حكم وجوب الغسل يوم الجمعة على كل بالغ، وهذا هو ما فهمه الراوي من النص، إذ شهد على أن الغسل واجب. وهو مذهب طوائف من أهل العلم.

إلا أن ابن عباس، رضي الله عنهما ـ بما فقههه الله في الدين وعلّمه التأويل ـ لم يذهب هذا المذهب، بل كان له رأيٌ تأويلي في هذا النص بناه على معرفته بالقرائن الحالية التي احتفت به وقت صدوره عن النبي، صلى الله عليه وسلم. لا سيما قرينتي سبب النص وعلة النص. وإليك ما رُوي عنه في هذا الصدد:

(1) البخاري، الصحيح، رقم (831) ، كتاب الجمعة، باب الطيب للجمعة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت