روى أبو داود عن عكرمة قال: (( إن أناسا من أهل العراق جاءوا فقالوا: يا ابن عباس أترى الغسل يوم الجمعة واجبا؟ قال: لا، ولكنه أطهر وخيرٌ لمن اغتسل، ومن لم يغتسل فليس عليه بواجب. وسأخبركم كيف بدءُ الغسل: كان الناس مجهودين، يلبسون الصوف، ويعملون على ظهورهم، وكان مسجدهم ضيقا مقارب السقف إنما هو عريش، فخرج رسول الله، صلى الله عليه وسلم، في يوم حار، وعَرِق الناس في ذلك الصوف حتى ثارت منهم رياحٌ آذى بذلك بعضهم بعضا، فلما وجد رسول الله، صلى الله عليه وسلم، تلك الريح، قال: (( أيها الناس إذا كان هذا اليوم فاغتسلوا، وليمس أحدُكم أفضلَ ما يجد من دهنه وطيبه ) ). قال ابن عباس: ثم جاء الله بالخير، ولبسوا غير الصوف، وكُفوا العمل، ووُسِّع مسجدُهم، وذهب بعض الذي كان يؤذي بعضُهم بعضا من العَرَق )) [1] .
في هذه الرواية عن ابن عباس، رضي الله عنهما، نرى كيف أنه استثمر معرفته بسبب وعلة ورود النص النبوي في تأويله ورفع حكمه، جريا مع القاعدة الأصولية الناصة على دوران الحكم مع علته وجودا وعدما. فسبب ورود النص هو حصول أذى المصلين بعضهم بعضا [2] ، وعلة النص هي إرادة رفع هذا الأذى عن طريق الأمر بالغسل. ولما لم يعد هذا الأذى متحققا بفعل عوامل التغير الزمني والبيئي ارتفع حكم الوجوب، وبقي حكم الندب تمشيا مع الأصل العام القاضي بمندوبية التنظف في الجملة.
ولقد ابتعد فقهاءُ واقترب آخرون من مذهب ابن عباس، رضي الله عنه، في هذه المسألة:
فأكثر الناس عنه بعدا ابن حزم الظاهري الذي قال بوجوب الغسل في أي وقت من يوم الجمعة، حتى لو اغتسل المسلم بعد صلاة الجمعة أجزأه [3] . وهذا غلوٌ منه في اتباع ظاهر النص وإنكارِ التعليل. قال ابن دقيق العيد، رحمه الله تعالى: (( ولقد أبعد الظاهري إبعادا مجزوما ببطلانه، حيث لم يشترط تقدم الغسل على إقامة صلاة الجمعة حتى لو اغتسل قبل الغروب كفى عنده، تعلقا بإضافة الغسل إلى اليوم في بعض الروايات، وقد تبين من بعض الأحاديث أن الغسل لإزالة الروائح الكريهة، ويُفهم منه أن المقصود عدم تأذي الحاضرين، وذلك لا يتأتى بعد إقامة الجمعة، وكذلك أقول: لو قدَّمه بحيث لا يحصل هذا المقصود لم يُعتد به. والمعنى إذا كان
(1) أبو داود، السنن، (299) ، كتاب الطهارة، باب في الرخصة في ترك الغسل يوم الجمعة. وقال الحافظ ابن حجر، فتح الباري، ج 2، ص 362: إسناده حسن.
(2) وقد تأكد هذا السبب لورود الحديث، فضلا عن رواية ابن عباس رضي الله عنهما، برواية عائشة رضي الله عنها، إذ قالت: (( كان الناس مهنة أنفسهم وكانوا إذا راحوا إلى الجمعة راحوا في هيئتهم؛ فقيل لهم: لو اغتسلتم ) ). البخاري، الصحيح، (852) ، كتاب الجمعة، باب وقت الجمعة إذا زالت الشمس.
(3) انظر: ابن حزم: علي بن أحمد، المحلى بالآثار، دار الآفاق الجديدة، بيروت، ج 2، ص 19.