معلوما، كالنص قطعا أو ظنا مقاربا للقطع، فاتباعه وتعليق الحكم به أولى من اتباع مجرد اللفظ )) [1] .
وأكثر الفقهاء قربا إلى مذهب ابن عباس المالكيةُ القائلون بأن الأصل هو ندب الغسل قبل صلاة الجمعة، لكن إذا كان ثمة رائحة فالغسل واجب اتفاقا [2] . ولا يمتد وقت الغسل عندهم من الفجر وحتى قبيل الصلاة بل ينبغي أن يتصل الغسل بالرواح إلى المسجد.
وتوسط الجمهور من الشافعية والحنفية والحنابلة فقالوا بندبية الغسل وبامتداد وقته من طلوع الفجر وحتى قبيل الصلاة [3] .
وما من ريب في أن مذهب المالكية ألصق بحكمة التشريع من مذهب الجمهور، وذلك من حيث إنه لم يلغ الوجوب مطلقا كما هو مقتضى مذهب الجمهور، ومن حيث إنه اشتمل على شرط في الغسل حتى يحقق غايته من دفع الأذى، وهو اتصاله بالرواح إلى المسجد. وإلا فما فائدة الغسل عند الفجر، مثلا، لرجل ذهب بعد ذلك إلى العمل فاتسخ وتعرّق ثم ذهب إلى الصلاة؟! أويُقال بأنه حقق السنة، وأتى بالمطلوب؟!
بيئة الخطاب وسبب الخطاب وعلة الخطاب والخطاب والعلاقة بينها جميعا:
العلاقة بين هذه الأحوال الثلاثة للخطاب والخطاب علاقة وثيقة جدا، ويمكننا أن نتناولها من جهتين:
إحداهما: جهة ما سنسميه بـ (( التسلسُل الوجودي ) ).
والجهة الأخرى: جهة ما سنسميه بـ (( التسلسُل الكشفي ) ).
فأما الجهة الأولى، وهي التسلسل الوجودي، فالمقصود بها هو أن الأحوال الثلاثة: بيئة الخطاب، سبب الخطاب، علة الخطاب، يؤدي وجود كل حال منها إلى إيجاد الحال الأخرى إلى أن تؤدي الحال الأخيرة منها إلى إيجاد الخطاب. ويتخذ هذا التسلسل الشكل التالي:
(1) ابن دقيق العيد، الإحكام شرح عمدة الأحكام، ج 1، ص 110.
(2) انظر: الدسوقي: محمد عرفة، حاشية الدسوقي، دار الفكر، بيروت، ج 1، ص 384.
(3) انظر: النووي: أبو زكريا يحيى بن شرف، المجموع شرح المهذب، تحقيق محمود مطرحي، دار الفكر، بيروت، ط 1، 1417 ه=1996 م، ج 2، ص 231. وابن قدامة، المغني، ج 2، ص 98. وابن عابدين: محمد أمين، حاشية رد المحتار على الدر المختار، دار الفكر، بيروت، 1386 ه، ج 1، ص 196.