فبيئة الخطاب تؤدي، في الغالب، إلى وجود سبب الخطاب، وسبب الخطاب يؤدي إلى وجود علة الخطاب، وعلة الخطاب تؤدي في النهاية إلى إيجاد الخطاب نفسه.
وإذا أردنا التمثيل لهذا التسلسل بمثال الغسل يوم الجمعة، قلنا بأن:
1.بيئة النص، والتي تكونت من المعطيات التالية: حاجة الناس، عملهم قبل الصلاة، لبسهم الصوف، حرارة الجو، ضيق المسجد ودنو سقفه، تولد العرق والروائح الكريهة، أدت إلى إيجاد:
2.سبب النص، والذي تمثل في أذى الناس بعضهم بعضا. ثم أدى هذا السبب، بدوره إلى وجود:
3.علة النص، والتي تتمثل بإرادة النبي، صلى الله عليه وسلم، رفع هذا الأذى، مما أدى، في النهاية، إلى إيجاد:
4.النص نفسه، وهو الأمر بالغسل، كوسيلة لتحقيق العلة في الخارج بالقضاء على الأذى.
وأما الجهة الثانية للعلاقة بين الأحوال الثلاثة والخطاب، وهي جهة التسلسل الكشفي، فالمقصود بها هو أن أحوال الخطاب والخطاب ـ بغض النظر عن تسلسل الوجود ـ يفضي بعضها إلى الكشف عن البعض الآخر، أو بعبارة أخرى، تفضي المعرفة ببعضها من قِبَل متلقي الخطاب إلى تعريفه بالبعض الآخر. فالعلاقة بينها من هذه الجهة هي مجرد علاقة كشف وبيان، بغض النظر عمن وُجد أولا في دنيا الواقع. أي أنه إذا كانت الحال في التسلسل السابق تتسبب في وجود الحال الأخرى، إلى أن يوجَد الخطاب، فإن الحال أو الخطاب في هذا التسلسل لا تتسبب أو يتسبب في إيجاد الأحوال الأخرى، وإنما في مجرد الكشف عنها. وفرقُ ما بين التسلسلين أن الكشف ـ في كثير من الأحيان ـ يتسلسل بطريقة مغايرة أو معاكسة لتسلسل الوجود. فمثلا يلجأ من يضل طريقه من أفراد (( مجموعة كشفية ) )في غابة، مثلا، إلى إشعال نار، والنار بدورها تعطي دخانا كثيفا، ومن خلال رؤية هذا الدخان يستدل باقي الرفقاء على مكان وجود صاحبهم التائه. فلو استعرضنا (( التسلسل الوجودي ) )في هذه الحالة لوجدنا بأن الرفيق التائه هو الذي أوجد النار، والنار هي التي أوجدت الدخان، والدخان هو الذي جلب أنظار الآخرين. أما لو استعرضنا (( التسلسل الكشفي ) )في الحالة نفسها لوجدناه معاكسا للتسلسل الوجودي، وذلك لأن أنظار الرفقاء هي التي رأت الدخان، والذي بدوره كشف عن وجود النار، والنار كشفت عن مكان وجود الرفيق التائه.
وهكذا هو التسلسل الكشفي بين الخطاب وأحواله الثلاثة: البيئة والسبب والعلة، لكن بطريقة أعقد من تسلسل الشخص والنار والدخان والأنظار. ولتوضيح كيفية ذلك نقول: