إذا كان (( التسلسل الوجودي ) )لأحوال الخطاب ينتهي ـ كما أوضحنا في الجهة السابقة ـ بوجود الخطاب، فإن (( التسلسل الكشفي ) )يبدأ من حيث انتهى التسلسل الوجودي. أي أنه يبدأ بالخطاب؛ وذلك لأن المتلقي لن يبحث عن بيئة الخطاب ولا عن سببه ولا عن علته ما دام هو لم يقف على الخطاب بعد. فالخطاب إذن، هو المحرك الأول للبحث عن أحواله الثلاثة.
وبعد الوقوف على الخطاب وتلقيه من قبل المتلقي (( تلقيا أوليا ) )، يبدأ بحث المتلقي ـ المتدبِّر ـ عن سبب الخطاب.
فإذا وقف عليه، وإلا رجع إلى بيئة الخطاب ليقف من خلالها عليه.
فإذا وقف على سبب الخطاب ـ سواء بطريق مباشرة أو عن طريق النظر في بيئة الخطاب ـ فمن خلال مراوحة النظر وتردده ما بين الخطاب تارة والسبب تارة أخرى يتوصل المتلقي إلى الكشف عن علة الخطاب.
وعلة الخطاب بدورها تلقي بظلالها النهائية على الخطاب نفسه بالتأكيد أو التكميل أو التأويل أو غير ذلك من وجوه التأثير.
وبهذا يصل المتلقي إلى (( التلقي الكامل ) )للخطاب أو قُل: يصل إلى (( تدبر الخطاب ) ).
وبالرسم فإن عملية التسلسل الكشفي برمتها تكون على الشكل التالي:
ونريد من خلال هذا الرسم أن نؤكد على التالي:
أولا: أن عملية إفضاء الخطاب إلى السبب وإلى البيئة هي في الغالب عملية تحريك أو إثارة للمتلقي لكي يقوم بعملية البحث عنهما، وليست هي عملية كشف. ويترتب على هذا أنه في حالة إذا لم يُذكر سبب الخطاب في سياق الخطاب، فليس بمقدور المتلقي استنتاج سبب الخطاب بمجرد النظر في الخطاب نفسه. ومن هنا قلنا، عند بدايتنا الخوض في ذكر