فهرس الكتاب

الصفحة 341 من 384

أنواع القرائن الحالية [1] ، بأن بيئة الخطاب وسببه هي معارف أولية لا ثانوية، أي: أنه لا يُتحصل عليها من خلال غيرها من المعارف.

ثانيا: أن الخطاب وبيئته يقومان معا، أحيانا، بعملية كشف عن سبب الخطاب. وهذا يعني أنه بإمكان المتلقي أن يستنتج سبب الخطاب بمجرد النظر في بيئة الخطاب مقرونة بالخطاب. وعليه يمكننا القول بأنه من الممكن، في ظروف معينة، أن يكون سبب الخطاب معرفة ثانوية، لا أولية. وهذا إنما يكون في حالة إمكانية استنتاج السبب من خلال الخطاب والبيئة.

ثالثا: أن الخطاب والسبب يُسهمان بالكشف عن العلة، والتي تنعطف بدورها بـ (( التأثير ) )على الخطاب نفسه بضرب من ضروب التأثير. ويترتب على هذا أن العلة ـ المستنبطة ـ هي معرفة ثانوية لا أولية.

ولكي يتضح لك ما قلناه كله تعال نطبقه على مثال الغسل يوم الجمعة في اجتهاد ابن عباس رضي الله عنهما، فنقول:

أولا: أمْر النبي، صلى الله عليه وسلم، بالغسل يوم الجمعة هو النص الذي حرك ذهن ابن عباس إلى البحث عن أحواله، وذلك لكي يقف على المعنى الدقيق له.

ثانيا: بعد الوقوف على النص، وتلقيه (( تلقيا أوليا ) )ـ لا تتحدد فيه دلالة النص النهائية ـ عاد ابن عباس بنظره إلى بيئة النص فاستذكر الحاجة والعمل والصوف والحرارة وضيق المسجد والعرق، ثم توصل من خلال النظر في هذه البيئة مقرونة بالنص الآمر بالغسل إلى أن سبب النص هو حصول الأذى.

ثالثا: من خلال كل من السبب، وهو حصول الأذى، والنص، وهو الأمر بالغسل، توصل ابن عباس إلى علة النص، وهي إرادة رفع هذا الأذى عن طريق الأمر بالغسل.

رابعا وأخيرا: من خلال معرفة علة النص، وهي رفع الأذى، توصل ابن عباس إلى التأثير بهذه العلة على دلالة النص نفسه، وذلك عن طريق استغلال قاعدة دوران حكم النص مع علته وجودا وعدما. فما دام الأذى في الزمن المتأخر الذي صار فيه ابن عباس قد ارتفع بسبب عوامل التغير الزمني والبيئي، فقد ارتفع حكم النص وهو الإيجاب، وبقي حكم الندب لأن التنظف مشروع في الجملة. وعليه، كان الأثر الذي ألقاه تعليل ابن عباس على دلالة النص هو تخصيص هذه الدلالة بحالة معينة هي حالة وجود الأذى، مع أن ظاهر النص هو العموم في كل الأحوال.

وهاهنا قد يُقال: إنه كان بالمقدور التعبير عن العلاقة بين الخطاب وأحواله الثلاثة: البيئة والسبب والعلة، بمثال ابن عباس، رضي الله عنهما، بصورة مبسطة وميسورة، ثم يُكتفى

(1) ص 263.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت