فهرس الكتاب
بذلك. وليس ثمة داع إلى الخوض في تعقيدات التحليل للبدهيات، والتشغيب بتوليد المصطلحات من قبيل التسلسل الكشفي والتسلسل الوجودي، وما إلى ذلك.
والجواب: هو أن التحليل الدقيق لطريقة الكشف عن أحوال الخطاب بالأسلوب الذي أوردنا، يزودنا، فضلا عن مجرد الفائدة المعرفية، بفائدتين عمليتين:
إحداهما: وصف خطوات التلقي الصحيح للنص في ضوء أحواله المذكورة، مما يصب في خانة تحقيق الهدف الأساسي من علم أصول الفقه، وهو تيسير السبل للمجتهد في عملية فقهه للنص.
والفائدة الأخرى: هي الرد على من منع من الأصوليين من تأثير علة النص على دلالته حيث جعلوا أساس استدلالهم لهذا المنع قاعدةً منطقية مفادها: أن معرفة العلة هي فرع عن معرفة دلالة النص، ولا يصح للفرع أن يعود على أصله بالإبطال؛ لأنه حينئذ يُبطل نفسه، وعليه لا يصح للعلة أن تعود على أصلها، وهو النص، بالتأثير.
ووجه الرد عليهم من خلال تحليلنا آنف الذكر، هو ـ وكما سبق لنا توضيح ذلك في دراستنا التي خصصناها لبحث تأثير علة النص على دلالته [1] ـ بإبطال المقدمة التي بنوا عليها قاعدتهم، وهي أن معرفة العلة هي فرع عن دلالة النص. وذلك لأن دلالة النص، كما اتضح من خلال تحليلنا آنفا، تُتلقى من قِبل المجتهد بنوعين من التلقي:
أحدهما: التلقي الأولي. وهو التلقي الذي يقتصر فيه المجتهد على أمرين:
1. (( تثبيت ) )أطراف محددة من دلالة النص والجزم بأنها مرادة لصاحب النص.
2.و (( تعليق ) )أطراف أخرى غير مجزوم بإثباتها أو نفيها.
فـ (( الدلالة المثبَّتة ) )هي الدلالة القطعية للنص، وما يدنو منها من حيث ظهوره ظهورا قويا. و (( الدلالة المعلَّقة ) )هي الدلالة الظنية للنص أو المجملة. وفي مثال الغسل يوم الجمعة ثبَّت ابن عباس في (( التلقي الأولي ) )طلب الغسل ويوم الجمعة، لكنه علق نوع الطلب هل هو وجوب أو ندب، وعلق، أيضا، عموم طلب الغسل في الأحوال. ودلالة النص على العموم في الأحوال هي دلالة ظنية ظاهرة.
ومن خلال نظره في (( الدلالة المثبَّتة ) )للنص دون (( المعلقة ) )، بالإضافة إلى النظر في بيئة النص وسببه وباقي القرائن، استنبط ابن عباس علة النص. وبهذا نجد أن علة النص هي فرع تولَّد عن جزء محدد من دلالة النص هو ما أسميناه بـ (( الدلالة المثبَّتة ) )، وليست هي فرعا عن دلالة النص جميعها بجزأيها المثبَّت والمعلق. وبهذا يبطل قولهم بأن العلة هي فرع عن دلالة النص هكذا بإطلاق.
(1) انظر: صالح، أثر تعليل النص على دلالته، ص 118،119.