فهرس الكتاب

الصفحة 343 من 384

والنوع الثاني من التلقي: هو التلقي النهائي أو الكامل، وهو التلقي الذي يحدد جميع ما يدل عليه النص بعد استفراغ الوسع في النظر في القرائن المحتفة به. وفي هذا التلقي يثبِّت المجتهد ما تؤكده القرائن من المعاني التي ضمتها (( الدلالة المعلقة ) )للنص، وينفي ما عداه. فلما توصّل ابن عباس، رضي الله عنه، لعلة النص، وهي إرادة رفع الأذى، انعطف منها إلى (( الدلالة المعلقة ) )للنص، فثبت منها الإيجاب، وألغى عموم هذا الإيجاب في الأحوال بحيث جعله خاصا بحالة واحدة هي حالة وجود الأذى.

وبهذا نجد أن عود علة النص عليه بالتأثير لا يستلزم إبطال الفرع لأصله، لأن أصل العلة هو (( الدلالة المثبَّتة ) )للنص، بالإضافة إلى القرائن الأخرى من البيئة والسبب. والعلة لم تعد على هذه الدلالة بأي نوع من أنواع التأثير. وإنما عادت بالتأثير على (( الدلالة المعلقة ) )للنص فقط، فثبتت منها ما ثبتت وألغت ما ألغت. والدلالة المعلقة للنص لا مدخل لها في الكشف عن العلة، أي أنها ليست أصلا للعلة حتى يُقال بأن التأثير عليها يستلزم إبطال الفرع لأصله. وعليه، فقد كان أصل العلة شيئا هو الدلالة المثبتة في التلقي الأولي، ومحلُّ تأثيرها شيئا آخر هو الدلالة المعلقة في هذا التلقي [1] .

تأثير كل من سبب الخطاب وعلته على دلالته من الوجهة الأصولية:

وسنتناول في البدء تأثير سبب الخطاب على دلالته ثم نعقب ذلك بتناول تأثير علة الخطاب على دلالته.

? أولا: تأثير سبب الخطاب على دلالته:

لست أزعم أني سأستطيع الوفاء هنا بكل ما يستحقه السبب وتأثيره على دلالة الخطاب من بحث. وهذا مبرّرٌ من حيث إني لا أتناول هاهنا موضوعا سهلا ومقتضبا بل أتناول موضوعا معقّدا وواسعا ـ هو حقيق بدراسة مستقلة ـ أتناوله في زاوية ضيقة من نظرية عامة تضم العديد من الجزئيات.

لكن، وعلى الرغم من هذا، فإني لن أخلي بحثي في هذا المقام عن تأطير جديد للمسألة يتجاوز العرض السطحي لها، ويرسم خطة للبحث فيها، ويحدد ما هو من قبيل الثوابت فيها، وما هو من قبيل الظني الخاضع لاختلاف وجهات النظر.

وفي البداية لا بد لنا من تحليل مسألة البحث إلى عناصرها الأولية. وهذه العناصر ثلاثة هي: السبب، ودلالة الخطاب، والتأثير.

فأما فيما يتعلق بالسبب، والذي سبق لنا تعريفه بأنه المقتضي الخارجي للخطاب، فلا بد لنا من البحث في أنواعه. وهذا لا يكون إلا عن طريق الاستقراء ثم التصنيف، ولسنا

(1) لمزيد من البيان ارجع إلى المصدر السابق: صالح، أثر تعليل النص على دلالته، ص 118،119.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت