فهرس الكتاب

الصفحة 53 من 384

ولو رجعنا قليلا إلى تعريفات الأصوليين المنقولة آنفا، والخاصَّة ببعض القرائن، لوجدناهم، أيضا، قد عرفوها أو وصفوها بـ (( الأدلَّة التي تقتضي ... ) )، وبـ (( الأدلة العقلية إذا دلت ... ) )، وبـ (( هيئات ... دالة ... ) )، وبـ (( أن يذكر المتكلم ... ما يدل ... ) ).

إذن، فالقرينة، اصطلاحا، دليل، أو، بعبارة أخرى، (( شيءٌ دالٌ ) ). وهذا هو القيد الأول الذي أُضيف إلى العنصر الأول من المعنى اللغوي للقرينة، فبعد أن كانت القرينة، لغةً، (( شيئا ) )، بإطلاق، صارت هاهنا (( شيئا دالا ) ).

وجه العلاقة بين الدليل والقرينة اللغوية:

وهاهنا قد يسأل سائل: إذا كانت القرينة في جوهر معناها الاصطلاحي ـ كما تزعُمُ ـ دليلا، وكان لا بد في المعنى الاصطلاحي عموما أن تربطه علاقةٌ ما بالأصل اللغوي؛ لأنه لولا هذه العلاقة، أو المناسبة، لم يكن لاختيار هذا اللفظ دون غيره أيُّ مَزيَّة، وهذا تحكُّمٌ: منفيٌ عن أفعال العقلاء من جهة، ومخالف للمشاهَد المطَّرِد في تَخيُّر الألفاظ اللغوية للمعاني الاصطلاحية في كافة العلوم من جهة أخرى ــ إذا كان هذا كذلك، فما هو، إذن، وجه العلاقة بين الدليل ولفظ القرينة حتى يُختار هذا اللفظ لِيدُلَّ على معنى الآخر؟

والجواب: أن هذا لا ينكشف إلا بعد معرفة معنى الدليل.

والدليل هو، كما في تعريف المنطقيين: (( ما يلزم من العلم به العلم بشيء آخر ) ) [1] ، وفي تعريف الأصوليين،: (( المرشد إلى المطلوب ) ) [2] . وبتأملنا هذين التعريفين نجد أن ذكر الدليل استلزم ذكرَ شيء آخر إلى جواره هو المدلول عليه، ومن هنا ارتبط الدليل بالمدلول في كلا التعريفين على النحو التالي:

الشيء المُعلِم • الشيء المعلوم (في تعريف المنطقيين)

المُرشِد • المطلوب (في تعريف الأصوليين)

ولخصيصة الارتباط، أو (( الاقتران ) )، هذه، بين الشيء الدال والشيء المدلول عليه، جاءت ـ والله أعلم ـ تسمية الدليل بالقرينة في المجموعة الأولى من الأمثلة، ولذا قال الأستاذ

(1) المناوي: محمد عبد الرؤوف، التوقيف على مهمات التعاريف، تحقيق محمد الداية، دار الفكر المعاصر، دار الفكر، بيروت، دمشق، ط 1، 1410 ه‍، ص 340.

(2) ابن السمعاني، قواطع الأدلة، ج 1، ص 32. والعكبري، رسالة في أصول الفقه، ص 100. والفرق الأساس بين التعريفين هو كون الدليل عند المنطقين والمتكلمين يختص بما يفيد القطع، أما ما يفيد الظن فيسمونه أمارة، ومن هنا عبروا عنه بما يلزم عنه العلم، أي القطع. أما الأصوليون فيشتمل الدليل عندهم على ما يفيد القطع أو الظن، ومن هنا وصفوه بما يوصل إلى المطلوب، أي بغض النظر عن كون هذا المطلوب قطعيا أو ظنيا. انظر: الزركشي، البحر المحيط، ج 1، ص 35. والأنصاري، فواتح الرحموت، ج 1، ص 20.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت