فهرس الكتاب

الصفحة 55 من 384

صحة العقد وترتب آثاره عليه، وفي المثال الثاني دل سكوت الشفيع مع علمه بالبيع على رضاه بالبيع، وبالتالي رتَّب الفقيه حكم عدم جواز مطالبته بالشفعة لسقوطها بالرضا بالبيع، وفي المثال الثالث دل الحَبَل من غير زواج على زنا المرأة، وبالتالي رتَّب الفقيه حكم وجوب تطبيق الحد عليها، وهكذا باقي الأمثلة ...

وأما بالنسبة لخصوصية الكيفية التي وقعت بها دلالة (( القرينة الفقهية ) )على المدلول عليه، فإن الملاحظ على تصرف الفقهاء في هذا المصطلح أنهم قصروه، نوعا ما، على الدليل غير الصريح في دلالته على المراد، ومما يدل على ذلك أنهم لم يطلقوا لفظ القرينة على دليلي الشهادة والإقرار اللذين تترتب عليهما الكثير من الأحكام، ومن هنا قال البركتي في تعريف القرينة بهذا الاصطلاح: (( هي ما يدل على المراد من غير كونه صريحا ) ) [1] . هذا وسنتوسَّع في صراحة القرينة وعدمها في موضع لاحق من هذا الباب [2] فلا داعي لإطالة الكلام هاهنا.

هذا ما يتعلق بسبب تسمية الدليل قرينة في أمثلة المجموعة الأولى. والذي نراه في المحصِّلة، أن استعمال القرينة في هذه الأمثلة هو استعمال فقهي لا يُلفى في المباحث الأصولية إلا قليلا [3] ، لذا فلا يعنينا تكثير الكلام فيه.

أما المجموعة الأخرى من الأمثلة، والتي اقتُبست من كلام الأصوليين والفقهاء والنحويين والمفسرين، فعلى الرغم من أننا نجد القرينة فيها دليلا، أيضا، إلا أنّا ـ بعد تدقيق النظر ـ لا نجده دليلا منفردا، بل هو دليل مقترن بخطاب من جهة، وبشيء مدلول عليه من جهة أخرى. ولهذا الاقتران، وربما من الجهة الأولى بالذات [4] ، سُميت القرينة، والله أعلم، بالقرينة. وفيما يلي توضيح لهذا الاقتران ـ من خلال الأمثلة ـ في الجدول التالي:

(1) البركتي: محمد عميم الإحسان المجددي، قواعد الفقه، الصدف ببلشرز، كراتشي، ط 1، 1407 ه‍=1986 م، ص 428. وانظر: مجموعة من الأساتذة، الموسوعة الفقهية، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، الكويت، ط 1، 1416 ه‍ = 1995 م، ج 33، ص 156.

(2) ص 142.

(3) وممن وجدناه قد وظَّف القرينة، أصوليا، بقريب من هذا الاصطلاح ابن رشد، كما سنراه في المطلب القادم ص 53.

(4) بل هذا هو الأرجح ويدل عليه تصريح الأصوليين باقتران القرينة، أو ما يقوم مقامها، بالخطاب أو النص كما يتجلى لنا في النقول التالية: عن الجصاص: (( ولا يصح الاحتجاج بعموم قوله: {والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما} [المائدة/38] لما بينا أنه مجمل بما اقترن إليه من توقيف الرسول، صلى الله عليه وسلم، على اعتبار ثمن المجن ) ) [الجصاص، أحكام القرآن، ج 4، 64] ، وعن القفال الشاشي: (( قد يقترن بالخطاب من دلالة الحال ما يقف به السامع على مراد الخطاب ) ) [نقله عنه، الزركشي، البحر المحيط، ج 3،ص 38] ، وعن الباقلاني: (( البيان عندكم [أيها المعتزلة] لا يتأخر عن مورد الخطاب ويقتضي ذلك أن تقترن القرائن المخصِّصة باللفظ فهو مع قرائنه محمول على الخصوص ) ) [نقله عنه، الجويني، البرهان، ج 2،ص 637] . وعن أبي الحسين البصري: (( باب في كيفية حمل خطاب الحكيم على غير ظاهره إذا اقترنت به القرائن ) ) [أبو الحسين البصري، المعتمد، ج 2،ص 348] ، وعن إمام الحرمين: (( الصيغة التي تُسمى مطلقة لا تكون إلا مقترنة بأحوال تدل على أن مطلقها ليس يبغي بإطلاقها حكاية وليس هاذيا بها ) ). (( إذا تعارض خبران ووافق أحدهما حكمٌ اقترن من كتاب الله تعالى فقد رجح بعض العلماء الخبر الذي وافقه حكم القرينة ) ) [الجويني، البرهان، ج 1، ص 158. و ج 2، ص 768] ، وعن الشاطبي: (( ليس كل حال يُنقل، ولا كل قرينة تقترن بنفس الكلام المنقول ) ). [الشاطبي، الموافقات، ج 3، ص 347] ، وغيرهم كثير

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت