وظيفة القرينة بالنسبة للنص؟ وإذا كانت وظيفتها هي التأثير عليه، كما هو مقتضى التعريف العام، فهل يقتصر هذا التأثير على تأكيد ثبوت النص أو توضيح المراد منه، كما هو في الأمثلة السابقة؟ أم ثمة أنواعٌ أخرى من التأثير؟
وكنتيجة لهذا الاستقراء، تبين لنا ما يلي:
أولا: أن الأصوليين، أكثر ما يعبِّرون عن الدليل المقترن بالنص بالقرينة ـ بل وربما يفيضون في أثناء ذلك، إلى حد ما، في شرح معنى القرينة وأقسامها وكيفية دلالتها ـ إذا كان أثر هذه القرينة ينعكس على النص من إحدى هاتين الجهتين:
الأولى: دلالة النص: بتأكيد ظاهره أو تأويله أو تفسير مجمله. ومن ذلك قولهم، مثلا: بأن الأمر يفيد الوجوب ما لم ترد قرينة تصرفه إلى غير ذلك، وقولهم: بأن تَقدُّم الحظر على الأمر قرينة صارفة له عن الوجوب، وقولهم: بأن المشترك لا بد له من قرينة حتى يتعين المعنى المراد منه، وقولهم: بأن المجاز لا يتعين إلا بالقرينة، وقولهم: بأن العام يتخصَّص بالقرائن المنفصلة والمتصلة ... الخ [1] .
والجهة الأخرى: هي ثبوت النص، وبشكل أساس، إذا تكلموا حول حاجة الخبر المتواتر أو الآحاد إلى القرائن حتى يفيد القطع [2] .
ثانيا: أن بعض الأصوليين، وعلى قلة، قد استخدم مصطلح القرينة في التعبير عن الدليل، حين انعكس أثر هذا الدليل أو القرينة على النص من الجهتين التاليتين:
الأولى: جهة إحكام النص ونسخه. قال أبو الحسين البصري في تعريف القرينة السمعية: (( هي بيان نسخ أو بيان تخصيص أو غيرهما من وجوه المجاز ) ) [3] . وقال: (( والقرائن الناسخة والمخصِّصة يفتقر العلم بها إلى العلم بجملة الناسخ والمنسوخ والخاص والعام وشروط ذلك ) ) [4] ، وقال الرازي في القرينة السمعية أيضا: (( هي الأدلة التي تقتضي تخصيص العموم في الأعيان، وهو المُسمّى بالتخصيص، أو في الأزمان، وهو النسخ، والذي يقتضي تعميم الخاص وهو
(1) وسنتكلم، إن شاء الله تعالى، عن هذه القرائن في هذا الباب وفي الباب الثالث من هذه الدراسة.
(2) انظر: أبو الحسين البصري، المعتمد، ج 2، ص 92 - 95. والجويني: إمام الحرمين عبد الملك بن عبد الله، التلخيص في أصول الفقه، تحقيق عبد الله النيبالي وشبير العمري، دار البشائر الإسلامية، بيروت، ط 1، 1417 ه=1996 م، ج 2، ص 292، والبرهان، ج 1، ص 373 - 376. والشيرازي، شرح اللمع، ج 2، ص 580. والغزالي، المستصفى، ج 1، ص 134 - 138. والسرخسي، أصول السرخسي، ج 1، ص 330. والرازي، المحصول، ج 2، ص 143. والآمدي: سيف الدين علي بن محمد، الإحكام في أصول الأحكام، تحقيق سيد الجميلي، دار الكتاب العربي، بيروت، ط 1، 1404 ه،ج 2، ص 48. والسبكي، الإبهاج، ج 2، ص 283 - 289. والزركشي، البحر المحيط، ج 4، ص 234، 238، 247، 265. وغيرهم كثير.
(3) أبو الحسين البصري،، المعتمد، ج 2، ص 358.
(4) أبو الحسين البصري،، المعتمد، ج 2، ص 358.