القياس )) [1] . وقال الزركشي: (( يجوز نسخ الحكم عندنا، وإن لم يقترن به إعلامٌ بأنه سيُنسخ. قال ابن برهان: وعن أبي الحسين البصري وغيره من المعتزلة أنه لا يجوز إلا إذا اقترن به ما يدل على النسخ في الجملة، كقوله تعالى: {قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا} (البقرة:144) قالوا: فهذه قرينة أن الله تعالى سينسخ القبلة من بيت المقدس )) [2] .
والجهة الثانية: جهة ترجيح النص على غيره من النصوص عند التعارض. قال ابن رشد في تعريف أسباب الترجيح: (( هي قوانين تقترن بدليلٍ دليل وسَنَدٍ سَنَدٍ وتكاد لا تتناهى ) ) [3] ، وسماّها، أيضا، بـ (( القرائن التي يقع بها ترجيحُ طرق النقل ) ) [4] . وعرّف ابنُ الحاجب الترجيح بقوله: (( هو اقتران الأمارة [= الدليل الظني] بما تقوى به على معارضها ) ) [5] ، وذكر أنَّ من أسباب ترجيح الخبر على غيره: (( قرائنَ تأخره عن الآخر: كما لو كان الراوي متأخِّرَ الإسلام، أو كان الحديثُ بعد استظهار الإسلام ... أو كان أكثرَ تشديدا، لأن غالب التشديدات متأخرة ) ) [6] . وذكر إمام الحرمين، والزركشي، أنَّ من أسباب ترجيح أحد الخبرين على الآخر: (( اعتضادَ أحدِ الخبرين بقرينة الكتاب ) ) [7] . وقال ابن الهمام: تُعتبر (( قرائن الترجيح ) ) [8] في تقديم القياس على العموم أو العكس.
ثالثا: أن أبا الحسين البصري قد انفرد من بين الأصوليين بجعل القرينة تشتمل في إطلاقها على أمرين:
• أحدهما: (( أن تكون (( القرينة ) )خطابا آخر )) [9] . أو بتعبير الرازي (( أن ينضمَّ إلى النصِّ آخرُ فيصير مجموعُهما دليلا على الحكم ) ) [10] . ولنسمِّ هذا النوع من الاقتران بـ (( التركيب ) )لابتناء أحد الدليلين على الآخر وتركُّبه عليه للوصول إلى المعنى المراد. وله مثالان:
(( الأول: أن يدل أحد النصين على إحدى المقدمتين، والثاني على الثانية، فيحصل المطلوب. كقولنا: تارك المأمور عاص، لقوله تعالى: {أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي} (طه:93) ، والعاصي يستحق
(1) الرازي، المحصول، ج 2، ص 497.
(2) الزركشي، البحر المحيط، ج 4، ص 73.
(3) ابن رشد، الضروري، ص 146.
(4) ابن رشد، الضروري، ص 146.
(5) ابن الحاجب: جمال الدين أبو عمرو عثمان بن عمرو، منتهى الوصول والأمل في علمي الأصول والجدل، دار الكتب العلمية، بيروت، ط 1، 1405 ه=1985 م. ص 222.
(6) ابن الحاجب، منتهى الوصول، ص 226.
(7) الزركشي، البحر المحيط، ج 6، ص 175. وانظر: الجويني، البرهان، ج 2، ص 768.
(8) ابن الهمام: كمال الدين محمد بن عبد الواحد، التحرير في أصول الفقه الجامع بين اصطلاحي الحنفية والشافعية، ومعه شرحه تيسير التحرير، دار الكتب العلمية، بيروت، ج 1، ص 322.
(9) أبو الحسين البصري، المعتمد، ج 2، ص 346.
(10) الرازي، المحصول، ج 1، ص 179. ولم يُطلق الرازي على مثل هذا النّص المنضم لفظ (( القرينة ) ).