وروى ابن حيان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مرّ على رهط من أصحابه وهم يضحكون، فقال: لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا، فأتاه جبريل فقال: ان ربك يقول: لا تقنط عبادي، فرجع إليهم فقال: سددوا وقاربوا. ومعنى أمر النبي بالسداد والمقاربة أنه صلى الله عليه وسلم بعث ميسرا مسهلا، فأمر أمته بأن يقتصدوا في الأمور، لأن ذلك يقتضي الاستدامة عادة.
وفي البخاري: «سددوا وقاربوا، واغدوا وروحوا، وشيء من
الدلجة. والقصد القصد تبلغوا» أي الزموا الطريق الوسط المعتدل، واقصدوا السداد وهو الصواب، ولا تفرطوا فتجهدوا أنفسكم في العبادة، لئلا يفضي بكم ذلك إلى الملال فتتركوا العمل. والغدو السير أول النهار، والرواح السير في النصف الثاني من النهار، والدلجة سير الليل.
وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يحب القصد في الحياة، ويضرب في ذلك القدوة والأسوة: كان يحب القصد في الصلاة والخطبة، فكانت صلاة رسول الله قصدا، وكانت خطبته قصدا، لا هي بالطويلة ولا هي بالقصيرة، كما روى مسلم وابن حنبل.
وكان يحب القصد في الطعام، وهو القائل عليه الصلاة والسّلام: «ما ملأ ابن آدم وعاء شرا من بطنه، بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه، فإن كان لا محالة، فاعلا فثلث لطعامه، وثلث لشرابه، وثلث لنفسه» .
أما بعد، فألهمني الله وإياك السداد في القول، والرشاد في العمل، والقصد في الحياة.