تقول لغة العرب - وهي لغة القرآن الكريم: اليسر هو السهولة والرفق والسعة، وضده العسر، والأمر يسير، أي سهل هيّن. وتيسّر الشيء: تسهل وهان. واليسرى: الطريقة التي هي أكثر رفقا ولينا. والميسرة: الغنى والسعة في المال. ويقال: يسّر الله فلانا للخير. وقد يقال: يسره للشر. ولكن المادة تستعمل غالبا في تسهيل الخير.
وياسر فلان فلانا لاينه وطاوعه، فالتياسر هو الملاينة وتبادل الرفق في المعاملة، والميل إلى روح التيسير والمطاوعة.
والتياسر فضيلة أخلاقية قرآنية، فالمؤمن إنسان سمح سهل، هيّن ليّن، يرجح جانب السهولة واللين على جانب الشدة والعنف.
ولقد وردت مادة «اليسر» في مواطن من القرآن الكريم توحي بالتقدير والتكريم لهذه الفضيلة الأخلاقية، ولعل من أبرز مظاهر التمجيد لهذه الفضيلة أن ينسب الله تبارك وتعالى إلى ذاته القدسية اتصافه بالتيسير والتخفيف على عباده، فضلا منه وتلطفا، ولذلك يقول سبحانه في سورة البقرة:
«يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ، وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ» (1) .
أي أن من حكمة الله في تشريعه - كما يشير تفسير المنار - أن يجعله الله معتدلا وسطا ميسورا، رحمة بكم وفضلا عليكم، وفي هذا ترغيب في قبول ما شرعه الحق من تيسير ورخصة، والله تعالى يحب أن تؤتى رخصه كما تؤتى عزائمه، والله تعالى لا يريد اعنات الناس بأحكامه، وإنما يريد اليسر بهم، ويريد خيرهم ونفعهم، ومن هذه الرحمة أخذ العلماء قاعدتهم التي تقول: «المشقة تجلب التيسير» .
وكأن الله جل جلاله حين يستن مع عباده هذه السنة الكريمة - سنة اليسر والسهولة والترفق - يوحي إليهم أن يأخذوا أنفسهم بالتياسر والملاينة مع الناس، فقد ذاقوا من قبل حلاوة الرحمة الإلهية واليسر الرباني، فاللائق بهم أن يتأثروا بتلك المعاملة، فتلقي ظلها الكريم عليهم، فيكون من وراء ذلك مياسرة في طباعهم، ودماثة في أخلاقهم، وسهولة في معاملاتهم، ليعطوا صورة عملية للابرار الذين أفادوا أنفسهم وغيرهم من التطبع بأخلاق القرآن المجيد.
والله عز وجل يقول في سورة القمر:
«وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ» (2) .
وكرر هذا النص الحكيم هنا أربع مرات، فهو جل شأنه جعل قرآنه شريعة يسودها اليسر والرفق والرحمة:
«لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَها» (3) .
(1) سورة البقرة، الآية 185.
(2) سورة القمر، الآية 22.
(3) سورة البقرة، الآية 286.