الصدق في الاستعمال الشائع هو الإخبار بالحق الذي يعلمه الإنسان ولا يعلم غيره، ومادة «الصدق» في لغة العرب - وهي لغة القرآن الكريم - تدل على قوة في الشيء، سواء أكان الشيء قولا أم غيره، وسمّي الصدق القولي صدقا لقوته في نفسه، ولأن الكذب لا قوة له، والأصل في هذا قول العرب: رمح صدق أي صلب.
وقد عرّفوا الصدق بأنه مطابقة القول الضمير والشيء المخبر عنه معا، ودون ذلك لا يكون القول صدقا تاما، فلو قال المنافق: محمد رسول الله، كان ذلك صدقا في الحقيقة لمطابقته الواقع، ولكنه في الوقت نفسه كذب بالنسبة إلى هذا المنافق، لأنه يخالف ما في ضميره؛ ولذلك قال القرآن الكريم يخاطب رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ قالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللهِ، وَاللهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ، وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ) . فهم قد قالوا: نشهد إنك لرسول الله، وهذا صدق من جهة الواقع، ولكنهم كاذبون، وليس كذبهم من جهة النطق باللسان، بل من جهة ما تضمره قلوبهم الخبيثة عليهم اللعنة.
وقد ذكر الإمام الأصفهاني أن الصدق والكذب أصلهما في القول، ماضيا كان أو مستقبلا، وعدا كان أو غيره، ولا يكونان بالقصد الأول إلا في القول، ولا يكونان في القول إلا في الخبر دون غيره من أنواع الكلام، وقد يكونان
-عرضا وتبعا لا أصالة - في غير الخبر من أنواع الكلام، كالاستفهام والأمر والدعاء، مثل قول القائل: أمحمد في الدار؟ فإن ذلك يتضمن إخبارا بأن السائل جاهل بحال محمد، وكذلك إذا قال: ساعدني؛ فإن ذلك يتضمن أنه محتاج إلى المساعدة ... وهكذا.
وقد يعبّر عن كل فعل فاضل بالصدق، سواء أكان هذا الفعل ظاهرا أم باطنا، فيضاف إلى الصدق ذلك الفعل الذي يوصف به، وعلى هذا جاء في القرآن المجيد قوله تعالى في سورة الإسراء: (وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ، وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطانًا نَصِيرًا) . وقوله في سورة الشعراء: (وَاجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ) (1) (فِي الْآخِرِينَ) . وقوله في سورة الأحقاف (أُولئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ ما عَمِلُوا وَنَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئاتِهِمْ فِي أَصْحابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كانُوا يُوعَدُونَ) . وقوله في سورة يونس: (وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ(2) عِنْدَ رَبِّهِمْ) وقوله في سورة القمر: (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ، فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ) .