فهرس الكتاب

الصفحة 290 من 1257

«كظم الغيظ» خلق قرآني جعله الله تبارك وتعالى من صفات المتقين. فقال في سورة آل عمران (وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ، الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ، وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ، وَالْعافِينَ عَنِ النَّاسِ، وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) .

ومادة «الكظم» تدل في أصلها اللغوي على الامساك والجمع للشيء، والكظم هو اجتراع الغيظ والامساك عن ابدائه، وكأنه يجمعه الكاظم في جوفه. والكظم أيضا مخرج النفس - بفتح الفاء - ويقال: كظم البعير، إذا ترك الاجترار، ويقال: كظمه الغيظ، إذا أخذ بنفسه، فهو كظيم ومكظوم.

وقد جاء في سورة النحل قوله تعالى: (وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ) الآية 58. وفي سورة يوسف: (وَابْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ) الآية 84. وفي سورة غافر: (وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَناجِرِ كاظِمِينَ) الآية 18. وفي سورة الزخرف: (ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ) الآية 17. وفي سورة القلم: (وَلا تَكُنْ كَصاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نادى وَهُوَ مَكْظُومٌ) الآية 48.

و «الغيظ» صفة تدل على تغير في المخلوق عند احتداده يتحرك لها، وفي الحديث جاءت كلمة: «غيظ جارتها» ، لأنها ترى من حسنها ما يغيظها ويهيج حسدها. ولقد قال الأستاذ الإمام محمد عبده عن الغيظ: «الغيظ ألم يعرض للنفس إذا هضم حق من حقوقها المادية، كالمال، أو المعنوية كالشرف، فيزعجها إلى التشفي والانتقام، ومن أجاب داعي الغيظ إلى الانتقام لا يقف عند حد الاعتدال، ولا يكتفي بالحق، بل يتجاوزه إلى البغي، فلذلك كان من التقوى كظمه» .

وقد وردت مادة «الغيظ» في آيات من القرآن الكريم، ففي سورة آل عمران: (وَإِذا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ) الآية 119. وفي سورة التوبة: (وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ) الآية 15. وفيها أيضا: (وَلا يَطَؤُنَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ) الآية 120. وفي سورة الأحزاب: (وَرَدَّ اللهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ) الآية 25 ... الخ.

و «كظم الغيظ» هو تجرعه واحتمال سببه والصبر عليه، وفي الحديث: «إذا تثاءب أحدكم فليكظم ما استطاع» . اي فليحبسه ما أمكنه، وقد قال المفسرون في قوله تعالى عن المتقين: (وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ) (1) انهم الذين إذا ثار بهم الغيظ - وهو أشد الغضب - كظموه وكتموه، ولم يستجيبوا لداعيه، ولا يعملون غضبهم في الناس، بل يكفون عنهم شرهم، ويحتسبون ذلك عند الله عز وجل.

ولشيخ المفسرين الإمام ابن جرير الطبري عبارة في التعليق على كلمة (وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ) ، يقول فيها ما نصه: «قوله: (وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ) يعني والجارعين الغيظ عند امتلاء نفوسهم منه، يقال منه:

(1) سورة آل عمران، الآية 134.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت