الغيرة: - بفتح الغين - هي الحمية والأنفة، ويقال: غار الرجل على امرأته، وغارت المرأة على رجلها، والمرأة الغيور هي من تغار، والرجل المغيار: الشديد الغيرة. ويعرف البعض الغيرة بأنها تغير في القلب، وهيجان الغضب لإرادة الانتقام، وقد يفهم بعض الناس أن الغيرة مقصورة على غيرة الزوج على زوجته. أو غيرة الزوجة على زوجها، ولكن معنى الغيرة يتسع حتى يشمل الغيرة على الحريات والقيم، والغيرة على الدين والعقيدة، والغيرة على كل ما يعتز به العاقل الفاضل.
والغيرة بهذا المفهوم فضيلة محمودة، وهي كما قال العلماء خلق من أخلاق الله تبارك وتعالى، ولذلك وصفها ابن القيم بأنها جليلة المقدار، لها «منزلة شريفة عظيمة جدا» . وكأنه أراد أن ينبهنا إلى انها خلق من أخلاق القرآن الكريم، وفضيلة من فضائل الإسلام العظيم. وجانب من هدي الرسول عليه الصلاة والتسليم، فقرر في كتابه: «مدارج السالكين» أن الغيرة منزلة من منازل «إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ» .
وقد أراد أن يستخلص معناها من القرآن المجيد، فذكر أن مما يدخل في الغيرة بالمعنى الأخلاقي قول الله تبارك وتعالى:
«وَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجابًا مَسْتُورًا» (1) .
واستشهد بأن السري قال لاصحابه: أتدرون ما هذا الحجاب؟ حجاب الغيرة ولا أحد أغير من الله. ان الله تعالى لم يجعل الكفار، أهلا لفهم كلامه، ولا أهلا لمعرفته وتوحيده ومحبته، فجعل بينهم وبين رسوله وكلامه وتوحيده حجابا مستورا عن العيون، غيرة عليه أن يناله من ليس أهلا له.
وكذلك عقد الهروي في كتابه «منازل السائرين» فصلا جعل عنوانه: «باب الغيرة» استشهد فيه بقول الله عز وجل حاكيا عن نبيه سليمان عليه السلام: «ردوها علي فطفق مسحا بالسوق والاعناق» وأوضح ابن القيم وجه الاستشهاد بالآية الكريمة، فذكر ان سليمان عليه السلام كان يحب الخيل، فشغله استحسانها والنظر إليها - لما عرضت عليه - عن صلاة النهار، حتى توارت الشمس بالحجاب، فلحقته الغيرة لله من الخيل، إذ استغرقه استحسانها والنظر إليها عن الخدمة لمولاه وأداء حقه، فقال: «ردوها عليّ» ، فطفق يضرب أعناقها وعراقيبها بالسيف غيرة لله تعالى.
والغيرة كما يرى ابن القيم نوعان: غيرة من الشيء، وهي كراهية الإنسان مزاحمة الشيء له ومشاركته له في محبوبه، وغيرة على الشيء، وهي شدة حرص الإنسان على المحبوب، لخوفه ان يفوز به غيره، أو يشاركه في الفوز به.
والغيرة أيضا عند رجال القلوب والارواح نوعان، غيرة الحق تبارك وتعالى على عبده، وغيرة العبد لربه. فغيرة الله على عبده هي أن لا يجعله
(1) سورة الإسراء، الآية 45.