الخوف خلق من أخلاق القرآن الكريم، نبّه عليه، ودعا إليه، وأمر به، فقال: (وَخافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) ، وقال: (فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخافُ وَعِيدِ) . وقال عن عباد الله الأبرار: (رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللهِ وَإِقامِ الصَّلاةِ وَإِيتاءِ الزَّكاةِ يَخافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصارُ) . وهذا الخوف المحمود الذي يدعو إليه القرآن يقابله ضدّه وهو «الأمن» القائم على الاغترار أو الكفران أو الجهل، وقد نفّر منه القرآن وحذّر، فقال: (أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا بَياتًا وَهُمْ نائِمُونَ، أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ، أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخاسِرُونَ) .
وقال: (أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حاصِبًا ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلًا، أَمْ أَمِنْتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ تارَةً أُخْرى فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قاصِفًا مِنَ الرِّيحِ فَيُغْرِقَكُمْ بِما كَفَرْتُمْ ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنا بِهِ تَبِيعًا) .
والخوف في اللغة هو الفزع، وفي اصطلاح العلماء هو توقع مكروه عن أمارة مظنونة أو معلومة، كما أن الرجاء هو توقع شيء محبوب عن أمارة مظنونة أو معلومة، وقال الإمام الغزالي عن الخوف إنه تألم القلب واحتراقه بسبب توقع مكروه في الاستقبال، ويظهر أثر ذلك في الأعمال والأقوال والصورة، كما وردت أقوال أخرى في تصوير معنى الخوف، فقيل: هو اضطراب القلب وحركته من تذكر المخوف. وقيل: هو هرب القلب من حلول المكروه عند
استشعاره، وقيل: هو قوة العلم بمجاري الأحكام.
ولقد تكررت الدعوة إلى الخوف من الله عز وجل في القرآن الكريم، فجاء قوله تعالى: (وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً) . وقال: (إِنَّما ذلِكُمُ الشَّيْطانُ يُخَوِّفُ أَوْلِياءَهُ فَلا تَخافُوهُمْ وَخافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) . وأكد كتاب الله المجيد توجيهه إلى الخوف من مقام الله جل جلاله، فقال: (وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ) . وقال: (وَأَمَّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوى) . وقال: (وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ، ذلِكَ لِمَنْ خافَ مَقامِي وَخافَ وَعِيدِ) . والمقام في الأصل هو مصدر القيام، وهو أيضا مكان القيام وزمانه، ولقد قيل في تفسير «مقام الله» قولان، أولهما أنه المقام الذي يقوم فيه العبد بين يدي ربه لعبادته، كما يقال هذا معبد الله، وهذا معبد الباري، أي المكان الذي يقوم فيه العبد بعبادة الله تعالى.
والقول الآخر أن مقام الله تعالى يراد به الموضع الذي يقوم الله فيه على عباده، وهو غير محدود، وذلك يدل عليه قوله تعالى: (أَفَمَنْ هُوَ قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ) أي حافظ ومطّلع.
وقد كرر القرآن ذكر الخوف من يوم الحساب والجزاء، وهو يوم القيامة، فقال في سورة هود: (إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خافَ عَذابَ الْآخِرَةِ، ذلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ) ، وقال في سورة الرعد: (وَالَّذِينَ يَصِلُونَ ما أَمَرَ اللهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخافُونَ سُوءَ الْحِسابِ) . وقال في سورة الأنعام (قُلْ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ) . وقال في سورة الإنسان: (إِنَّا نَخافُ مِنْ رَبِّنا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا) (1) .
وهذا الخوف الذي يدعو إليه القرآن ويمجّد شأنه إنما هو الخوف القائم على المراقبة لله، والخضوع لأمره، والخشية من عقابه، وليس معنى هذا أن القرآن يرتضي لأهله الخوف بمعنى الذل أو الهوان، أو تهيب أحد من الناس،
(1) قمطريرا: شديد العبوس.