التدبر هو النظر في أدبار الأمور، أي أواخرها ونتائجها وعواقبها؛ وتدبر الكلام هو النظر والتفكر في غاياته ومقاصده التي يرمي إليها، وعاقبة العامل به والمخالف له، وقد استعملت كلمة «التدبر» في كل تأمل، سواء أكان نظرا في حقيقة الشيء وأجزائه، أم في سوابقه وأسبابه، أم في لواحقه وأعقابه. وتدبر فلان الأمر ودبّره تدبيرا: نظر في عواقبه وأدباره ليقع على الوجه المحمود، ولذلك يقال: التدبير هو النظر في عواقب الأمور، أو التفكير في دبر الأمور.
وقد وردت مادة «التدبير» في طائفة من آيات القرآن الكريم، فجاء في سورة يونس: (إِنَّ رَبَّكُمُ اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ ما مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ) . وقوله: (يُدَبِّرُ الْأَمْرَ) أي يقضي ويقدر على حسب ما تقتضيه الحكمة والكمال. وجاء في «تفسير المنار» عن هذه الآية قوله: التدبير في أصل اللغة التوفيق بين أوائل الأمور ومباديها، وأدبارها وعواقبها، بحيث تكون المبادي مؤدية إلى ما يريد من غاياتها، كما أن تدبر الأمر أو القول هو التفكر في دبره، وهو ما وراءه وما يراد منه وينتهي إليه.
وجاء في سورة الرعد: (اللهُ الَّذِي رَفَعَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها، ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ، وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى، يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ) . وجاء في سورة السجدة: (يُدَبِّرُ
الْأَمْرَ مِنَ السَّماءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ». وجاء في سورة النازعات: (فَالْمُدَبِّراتِ أَمْرًا) والمراد بالمدبرات أمرا هنا الملائكة الموكلة بتدبير الأمور، أو الملائكة المدبرات أمر الدنيا بإذن الله تعالى.
ويرى الإمام محمد عبده أنها الكواكب التي انفردت بتدبير بعض الأمور الكونية في عالمنا الأرضي، وليس التدبير هنا إلا ظهور الأثر، ونسبة التدبير إليها لأنها أسباب ما نستفيده منها، والمدبر الحكيم هو الله جل شأنه.