تقول لغة العرب: ذكر الإنسان النعمة أي استحضرها وقام بواجبها. وذكر المؤمن ربه تعالى استحضره في قلبه مع تدبر. والذكر استحضار الشيء في القلب، أو التكلم عنه بالقول، فهناك ذكر بالقلب وذكر باللسان، وقد يكون الذكر عن نسيان، وقد يكون عن ادامة الحفظ. والذكر أيضا هو القرآن، وقد يستعمل لفظ الذكر بمعنى الشرف كقوله تعالى:
«وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ» .
والذكرى كثرة الذكر قال تعالى:
«وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ» .
«وذكر الله» خلق من أخلاق القرآن وفضيلة من فضائل الإسلام ودعامة من هدي النبي عليه الصلاة والسّلام، وقد توسع الإمام ابن القيم في كتابه مدارج السالكين في الحديث عن الذكر ومكانته عند أطباء القلوب والارواح، وأشاد بمنزلته فقال: «وهي منزلة القوم الكبرى، التي منها يتزودون. وفيها يتجرون. واليها دائما يترددون» .
و «الذكر» منشور الولاية، الذي من أعطيه اتصل، ومن منعه عزل. وهو قوت قلوب القوم، الذي متى فارقها صارت الاجساد لها قبورا،
وعمارة ديارهم، التي إذا تعطلت عنه صارت بورا. وهو سلاحهم الذي يقاتلون به قطاع الطريق، وماؤهم الذي يطفئون به التهاب الحريق. ودواء أسقامهم الذي متى فارقهم انتكست منهم القلوب، والسبب الوأصل، والعلاقة التي كانت بينهم وبين علام الغيوب.
وإذا مرضنا تداوينا بذكركم ... فنترك الذكر احيانا فننتكس
به يستدفعون الآفات، ويستكشفون الكربات. وتهون عليهم به المصيبات. إذا أظلهم البلاء، فاليه ملجؤهم. وإذا نزلت بهم النوازل. فاليه مفزعهم. فهو رياض جنتهم التي فيها يتقلبون، ورؤوس أموال سعادتهم التي بها يتجرون. يدع القلب الحزين ضاحكا مسرورا. ويوصل الذاكر إلى المذكور بل يدع الذاكر مذكورا.
وفي كل جارحة من الجوارح عبودية مؤقتة. و «الذكر» عبودية القلب واللسان وهي غير مؤقتة بل هم يؤمرون بذكر معبودهم ومحبوبهم في كل حال: قياما وقعودا، وعلى جنوبهم. فكما أن الجنة قيعان، وهو غراسها. فكذلك القلوب بور خراب. وهو عمارتها، وأساسها.
وهو جلاء القلوب وصقالها. ودواؤها إذا غشيها اعتلالها. وكلما ازداد الذاكر في ذكره استغراقا: ازداد المذكور محبة إلى لقائه واشتياقا. وإذا واطأ في ذكره قلبه للسانه: نسي في جنب ذكره كل شيء. وحفظ الله عليه كل شيء. وكان له عوضا من كل شيء.
به يزول الوقر عن الاسماع، والبكم عن الالسن، وتنقشع الظلمة عن الأبصار.
زين الله به ألسنة الذاكرين. كما زين بالنور أبصار الناظرين. فاللسان الغافل: كالعين العمياء، والاذن الصماء، واليد الشلاء.
وهو باب الله الاعظم المفتوح بينه وبين عبده، ما لم يغلقه العبد بغفلته.
ومع توسع الإمام ابن القيم في تصوير مكانة الذكر أضاف أن هناك مائة فائدة في الذكر ذكرها في كتاب «الوابل الصيب ورافع الكلم الطيب»
والذكر من أخلاق الأنبياء، وهذا شرف له ففي سورة طه. جاء على لسان موسى عليه السلام: