فهرس الكتاب

الصفحة 594 من 1257

«الستر» كلمة خفيفة على اللسان، شائعة الاستعمال بين الناس، ولكن مضمونها الأخلاقي القرآني عميق واسع، وبعض الناس يظن أن كلمة الستر لفظة عامية مبتذلة، مع أنها لفظة قرآنية نستطيع أن نلمح منها معاني لها مكانتها.

والمعنى اللغوي لكلمة «الستر» يدل على التغطية والاخفاء، يقال: ستره يستره سترا، أي غطاه، واستتر أو تستر، أي تغطى، وقد تستعمل كلمة «الستر» بمعنى الخوف والحياء، وجاء في «أساس البلاغة» فلان لا يستتر من الله بستر: لا يتقي الله. وفيه أيضا: «الله ستار العيوب» ، وقد روى النسائي وأبو داود هذا الحديث: «ان الله حيّ ستّير، يحب الحياء والستر» .

والمعنى الأخلاقي للستر هو أن يكون في الإنسان روح الميل إلى اخفاء ما ينبغي اخفاؤه، وأن يتنزه عن الرغبة في اظهار العورات أو ابداء العيوب أو كشف الحرمات، وأن يخفي بعض القربات التي تكون أقرب إلى الإخلاص فيها إذا قام بها صاحبها في طي الكتمان بلا تظاهر أو إعلان.

وقد وردت مادة «الستر» في القرآن ثلاث مرات، الأولى في سورة

الإسراء، حيث يقول الحق جل جلاله:

«وَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجابًا مَسْتُورًا» (1) .

وجاء في سبب نزول الآية أن أسماء بنت ابي بكر رضي الله تعالى عنهما قالت: لما نزلت سورة: «تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ» أقبلت العوراء أم جميل بنت حرب، ولها ولولة، وفي يدها فهر (أي حجر) وهي تقول: «مذمّما عصينا، وأمره أبينا، ودينه قلينا» (2) .

والنبي صلى الله عليه وآله قاعد في المسجد، ومعه أبو بكر رضي الله عنه، فلما رآها أبو بكر قال: يا رسول الله، لقد أقبلت وأنا أخاف أن تراك.

فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: انها لن تراني. وقرأ قرآنا فاعتصم به. وقرأ: «وَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجابًا مَسْتُورًا» .

فوقفت على أبي بكر رضي الله عنه، ولم تر رسول الله صلى الله عليه وآله، فقالت: يا أبا بكر، أخبرت أن صاحبك هجاني.

فقال: لا وربّ هذا البيت ما هجاك.

فولت وهي تقول: قد علمت قريش أني ابنة سيدها.

وعن سعيد بن جبير رضي الله عنه أنه لما نزلت: «تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ» جاءت امرأة أبي لهب إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ومعه أبو بكر رضي الله عنه، فقال أبو بكر للنبي: لو تنحيت عنها لئلا تسمعك ما

(1) سورة الإسراء، الآية 45.

(2) قلينا: كرهنا وأبغضنا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت