فهرس الكتاب

الصفحة 118 من 1257

كلمة «الرحمة» في لغة العرب تدل على الرقة والعطف، والرأفة والمغفرة، والرحم علاقة القرابة، والرحيم المبالغ في الرحمة، والرحمة كما يقول العلماء رقة تقتضي الإحسان إلى المرحوم، وقد تستعمل تارة في الرقة المجردة، وتارة في الإحسان المجرد من الرقة، نحو: رحم الله فلانا، وإذا نسب وصف الرحمة إلى الله تعالى فلا يراد به إلا الإحسان المجرد من الرقة - كما يقول الأصفهاني - وعلى هذا روي أن الرحمة من الله إنعام وإفضال، ومن الآدميين رقة وتعطف، وعلى هذا جاء الحديث القدسي: «أنا الرحمن، وأنت الرحيم، شققت اسمك من اسمي، فمن وصلك وصلته، ومن قطعك قطعته» فهذا إشارة إلى أن الرحمة منطوية على معنيين: الرقة والإحسان، فركز الله تعالى في طبائع الناس الرقة، وتفرد بالإحسان.

وقد يعبر عن الرحمة بكلمة «لين الجانب» كما في سورة آل عمران: (فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللهِ لِنْتَ لَهُمْ) ، وقد يعبر عنها بخفض الجناح، كما في سورة الحجر: (وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ) وفي سورة الإسراء: (وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ) .

والرحمة فضيلة إسلامية قرآنية، تدل على قوة صاحبها ونبله، لأنه لا يحتكر الخير لنفسه، ولا يهمل التفكير في سواه، بل هو يحس بآلام الآخرين، ويقدر مشاعرهم، ويسهم في معاونتهم، ويخفف عنهم حينما يستحقون التخفيف.

والرحمة خلق لا يتنافى مع التأديب اللازم والعقاب المناسب، والله وهو خير الراحمين لم تتناف رحمته الشاملة الكاملة مع عقوباته التي حددها، وزواجره التي توعد بها، لأن تشريع الله الحكيم يمضي بين الترغيب والترهيب على صراط سواء.

وليست الرحمة خلق ضعف كما يزعم بعض الزاعمين، لأن الرحمة الأصيلة هي التي تنبعث عن قدرة ذاتية تستطيع أن تكون حازمة وصارمة، ولكنها تقدر الظروف، وتشعر بالمشاركة الوجدانية، فتتنازل عن بعض حقها عن طيب خاطر، وتترفق بمن يستحق الترفق واللين، فهي في الواقع قوتان لا قوة واحدة قوة الاقتدار، ثم قوة التحكم في النفس لحملها على أن ترحم، وقد كانت قادرة على أن تقسو وتعنف.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت