إذا سمع كثير من الناس كلمة «الإحسان» انصرفت أذهانهم إلى المعنى المادي الذي جرى به عرفهم، وهو معاونة الغني للفقير بشيء من المال، ولكن معنى هذه الكلمة ليس بهذا الضيق، بل هو واسع عميق، فالإحسان في اللغة معناه الاتقان وهو ضد الاساءة. وهو الإخلاص وصدق المراقبة، وهو التطوع بالفضل بعد مراعاة العدل، وهو الصنع الجميل، والتصرف الحميد.
ولذلك جاء قول الله تبارك وتعالى: (إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا) . وجاء قول رسول الله عليه الصلاة والسّلام: «اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن» .
وقد جاءت مادة «الإحسان» ومتعلقاتها فيما يقرب من أربعين موضعا في القرآن الكريم. وهذه العناية التي تظهر في القرآن بأمر الإحسان، وتتمثل في الحديث عنه عشرات المرات، تدل على المكانة السامية التي تحتلها فضيلة «الإحسان» .
ولا عجب في ذلك، فعلماء الأخلاق يقولون ان الإحسان خلق جامع لجميع أبواب الحقائق، وفيه لب الإيمان وروحه، ولعل أساس التعريف بالإحسان هو العبارة النبوية الجليلة التي يقول فيها المصطفى
صلوات الله وسلامه عليه: «الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك» .
وقد عبّر ابن الأثير عن معنى هذه الكلمات المضيئة بتعبير موجز يقول فيه: «أراد بالإحسان الإخلاص، وهو شرط في صحة الإيمان والإسلام معا. وذلك أن من تلفظ بالكلمة، وجاء بالعمل من غير نية الإخلاص. لم يكن محسنا، ولا كان إيمانه صحيحا. وقيل: أراد بالإحسان الإشارة إلى المراقبة وحسن الطاعة، فإن من راقب الله أحسن عمله. وقد أشار إليه في الحديث بقوله: فإن لم تكن تراه فإنه يراك» .
والإحسان على هذا الأساس هو كمال الحضور مع الله تعالى، والمراقبة الجامعة لخشيته، والإخلاص له، بأن يحسن الإنسان قصده، فيجعله خالصا متجردا لله، فلا يستجيب ولا يطيع إلا كلمة ربه، وأمر دينه، وأن يقدم على تنفيذ ما أمر الله به في قوة وعزم، بلا ضعف أو وهن، وأن يصفي نفسه من الشوائب والأهواء، وأن يجعل نفسه كالمهاجر الدائم إلى الله عز وجل.