وقد ضرب القرآن الكريم لعباده مثلا رائعا في هذا الإحسان، وجاء هذا المثل فيما رواه كتاب الله عن قصة إبراهيم، واقدامه على ذبح ابنه إسماعيل، حيث يقول عنهما: (فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قالَ يا بُنَيَّ إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ ماذا تَرى، قالَ: يا أَبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ، سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللهُ مِنَ الصَّابِرِينَ، فَلَمَّا أَسْلَما وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ، وَنادَيْناهُ أَنْ يا إِبْراهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ) .
وإبراهيم كان محسنا غاية الإحسان، لأن الإحسان هنا يتمثل في
تلك الطاعة المطلقة لله تعالى، بلا تردد ولا توقف، فإبراهيم حينما رأى في المنام أنه يذبح ابنه، وتأكد لديه أن هذه الرؤيا من الله تعالى، ورؤيا الأنبياء حق، سارع بتنفيذ الرؤيا، ونسي في طاعة الله معاني الأبوة والبنوة، وأحضر ولده، وعرض عليه الأمر، فكان على نهج أبيه، فكان كل منهما محسنا، ولذلك أثابهما الله تعالى بما أثابهما به، وقال: (إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ) .
وإذا كنا قد عرفنا أن «الإحسان» فضيلة تطوي بين جناحيها فضائل، فإنه من السهل أن نتقبل قول العلماء: ان الإحسان يقال على وجهين: أحدهما الأنعام على الغير، فيقال: أحسن فلان إلى فلان، إذا أكرمه وأنعم عليه، والثاني في الفعل، كأن يعلم علما حسنا، وأن يعمل عملا حسنا، ومن هذا القبيل قول الإمام علي رضي الله عنه وكرم الله وجهه: «الناس أبناء ما يحسنون» ، أي منسوبون إلى ما يعملونه من الأعمال الحسنة.
وقد ورد ذكر «الإحسان» بمعنى الزيادة عن الواجب، والتفضل بما ليس مفروضا. ومن أمثلة ذلك قول الله عز من قائل في سورة آل عمران: (وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ، وَالْعافِينَ عَنِ النَّاسِ، وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) ، فكظم الغيظ هو كتمانه بشيء من المقاومة والمغالبة والمجاهدة، والعفو هو الصفح وعدم مقابلة الاساءة بمثلها، والإحسان هو الزيادة عن الكظم والعفو، بأن يحسن الإنسان إلى من أساء إليه، ولا يكتفي معه بالعفو، بل يتفضل عليه بالإحسان وصنع الجميل.
ومن أمثلة ذلك أيضا قول الله تعالى أيضا: (إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ ... ) فالعدل هو أن يعطي الإنسان ما عليه، ويأخذ حقه.