كلمة «الاعتصام» مأخوذة من «العصمة» بمعنى الحفظ والمنع، وعصمه: منعه وصانه ووقاه، واعتصم واستعصم: استمسك، والاعتصام: الاستمساك والتحصن بما يعصم ويمنع من المحذور والمخوف.
والاعتصام بالله خلق من أخلاق القرآن الكريم، وفضيلة من فضائل الإسلام العظيم، وجانب من هدى الرسول عليه الصلاة والتسليم. وقد تحدث كتاب الله تعالى عن هذه الفضيلة في أكثر من موطن، وجعلها طريق النجاة والسعادة، وأمر بها أتباع دينه، فنراه في سورة آل عمران يقول:
«وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلى عَلَيْكُمْ آياتُ اللهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ؟ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ، يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقاتِهِ، وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ، وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا، وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوانًا،
وَكُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْها كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ»» (1) .
هنا يتحدث القرآن الكريم على طريقة التعجب والانكار، فيقول لهم: كيف تنحرفون عن الإيمان، وأنتم تسمعون القرآن العظيم يتلى عليكم، وفيكم رسول الله محمد، ترونه وتشاهدونه.
ويدخل في هذا الخطاب من لم ير النبي، لأن ما فيهم من سنته يقوم مقام رؤيته. ويجوز أن يكون الخطاب لصحابة النبي خاصة، لأن رسول الله كان فيهم وكانوا يشاهدونه. وقيل: ان هاهنا أمرين جليلين: كتاب الله ونبي الله، فأما النبي فقد مضى إلى ربه، واما كتاب الله فباق قائم: «إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ» . وقد أبقاه الله رحمة منه ونعمة، فيه بيان الحلال والحرام، والطاعة والمعصية.