فهرس الكتاب

الصفحة 322 من 1257

تدل مادة «الوسط» في لغة العرب على العدل، والنصف، وأوسط الشيء ووسطه أعدله، ووسط الشيء ما له طرفان متساويان في القدر، ويقال: فلان من أوسط قومه، أي من خيارهم، والرجل الوسيط هو الحسيب بين جماعته. والوسط يفيد معنى البعد عن الافراط والتفريط، والزيادة على المطلوب في الأمر افراط، والنقص عنه تفريط، وكل من الافراط والتفريط ميل عن الجادة القويمة، فهو شر ومذموم، والخيار هو الوسط بين طرفي الأمر، اي المتوسط بينهما، ولذلك يقول القرطبي: «لما كان الوسط مجانبا للغلو والتقصير كان محمودا» . ولما كانت الوسطية تفيد معنى الخيرية والعدالة قال الشاعر زهير يمدح قوما:

هم وسط يرضى الانام بحكمهم ... إذا نزلت إحدى الليالي بمعظم

وهناك كلمات تقرب في معناها من كلمة «الوسط» ، ومن هذه الكلمات: السواء، والنصفة، والعدل ....

وقد وردت مادة «وسط» في القرآن الكريم عدة مرات، ولم تذكر إلا في موطن المدح والتقدير، ونفهم من حديث القرآن عن المادة أن التوسط فضيلة من فضائل الإسلام، وخلق من أخلاق القرآن،

انه الصفة الاساسية الجليلة التي ارادها الحق تبارك وتعالى للامة لمؤمنة، ولذلك يقول عز من قائل في سورة البقرة: (وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطًا، لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ، وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا) (1) .

أي جعلناكم أخيارا عدولا، وجعلناكم دون الأنبياء وفوق الأمم، ما دمتم مهتدين بهدي الله، عاملين بدينه، وأحمد الأشياء أوسطها أعدلها، وقد فسر النبي صلى الله عليه وسلم كلمة «وسطا» في الآية بكلمة «عدلا» . وقوله: (لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ) اي شهدوا في المحشر للأنبياء على اممهم ان الأنبياء بلغوا الرسالة، أدوا الأمانة. وقوله: (وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا) اي يشهد بكم بانه بلغكم، وأنكم أهل الإيمان.

وقد ورد في هذا حديث رواه البخاري عن ابي سعيد الخدري جاء فيه: «يدعى نوح عليه السلام يوم القيامة فيقول: لبيك وسعديك يا رب» . فيقول: هل بلغت؟ فيقول: نعم. فيقال لامته: هل بلغكم فيقولون: ما اتانا من نذير. فيقول: من شهد لك؟ فيقول: محمد وامته. فيشهدون انه قد بلغ. (وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا) فذلك قول الله عز وجل: (وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطًا، لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ، وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا) .

وقد صوّر «تفسير المنار» كيف أقبلت الأمة الإسلامية، فجعلها لله تبارك وتعالى وسطا بدينها، وعملها به، وتمسكها بأخلاقه، حرصها على تعاليمه، بعد ان سبقها صنفان من الناس، أحدهما

(1) سورة البقرة، الآية 143.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت